قصة خاباروفسك: من حصن عسكري في القرن الـ17 إلى مركز محوري في الشرق الأقصى الروسي
يرتبط تاريخ مدينة خاباروفسك بمسار تطور سيبيريا والشرق الأقصى، حيث جذبت المنطقة المستكشفين الروس منذ أواخر القرن السادس عشر بفضل تجارة الفراء الثمينة. ومع انطلاق حملة ييرماك، بدأ التوسع الروسي تدريجيا نحو الشرق، فشُيّدت في القرن السابع عشر الحصون وشُقّت الطرق التي ربطت المناطق الداخلية بساحل بحر أوخوتسك ونهر آمور.
في المقابل، أبدت سلالة تشينغ الصينية اهتماما بالمنطقة، ورغم عدم استقرارها فيها، فقد فرضت نفوذا وجباية على بعض السكان المحليين. ومع حملات المستكشف ييروفي خاباروف، تصاعدت المواجهات مع المانشو، لتنتهي باتفاقية نيرتشينسك عام 1689، التي رسمت لأول مرة حدودا بين الجانبين، لكنها أوقفت التوسع الروسي في المنطقة لنحو قرنين، مع خسارة حصن ألبازين.

لم يُعاد فتح ملف نهر آمور إلا في منتصف القرن التاسع عشر، بعد ضعف الصين إثر حروب الأفيون، حيث أثبتت رحلات غينادي نيفيلسكوي إمكانية الملاحة في النهر. وفي عام 1858، وُقّعت معاهدة أيغون التي تنازلت بموجبها الصين عن الضفة اليسرى لنهر آمور، وفي العام نفسه تأسست قاعدة “خاباروفكا” العسكرية، التي تحولت لاحقا إلى مدينة عام 1880، لتصبح مركزا إداريا مهما في إقليم آمور، مع بدء تطوير البنية التحتية وظهور السكك الحديدية.

وخلال الثورة الروسية والحرب الأهلية، شهدت المدينة صراعات بين قوات “البيض” و”الحمر” وتدخلات أجنبية، قبل أن يستقر الحكم السوفيتي فيها عام 1922 بعد معركة فولوتشاييفكا.
في الحقبة السوفيتية، عرفت خاباروفسك نموا صناعيا وتعليميا كبيرًا، حيث تأسست المصانع الكبرى والمؤسسات العلمية في ثلاثينيات القرن الماضي. وخلال الحرب الوطنية العظمى، شارك عشرات الآلاف من سكانها في الجبهة، وساهمت المدينة في دعم المجهود الحربي، كما استضافت لاحقا محاكمات مجرمي الحرب اليابانيين.
أما في العقود اللاحقة، فقد تحولت إلى مركز صناعي وثقافي مهم، وإحدى أهم نقاط النقل في الشرق الأقصى الروسي، مستفيدة من موقعها الجغرافي القريب من الصين.

شخصيات بارزة صنعت مجد خاباروفسك
تزخر ذاكرة الإقليم بشخصيات تركت بصمة لا تُمحى؛ في طليعتهم الحاكم العام لشرق سيبيريا نيقولاي مورافيوف-أمورسكي (1847-1861)، الذي أعاد منطقة آمور للسيادة الروسية ونال لقب “كونت” ولُقّب بـ”أمورسكي”. ولا يقل عنه أهمية القائد ياكوف دياشينكو الذي أسس معسكر خاباروفكا عام 1858، والمستكشف إيروفي خاباروف الذي يحمل الإقليم اسمه تقديرا لرحلاته في القرن السابع عشر.
أما في العصر الحديث، فقد قدّم الإقليم للثقافة نخبة من المشاهير كالمخرج سيرغي بودروف الأب، ومغني الراب “سلافا كي بي إس إس”، والممثلة الكوميدية فارفارا شيرباكوفا، إضافة إلى البطل الأولمبي في التزلج يفغيني بلوشينكو، والفنانة فيكتوريا تسيغانوفا.

/ Legion-Media
الموقع الجغرافي والنمو السكاني
تعد خاباروفسك اليوم إحدى أكبر مدن الشرق الأقصى الروسي، وتواصل تطورها كبوابة نحو آسيا نظرا لقربها الجغرافي من الصين. ويتركز الوجود الصيني في أرجاء المدينة بقطاعات التجارة، والأعمال، والسياحة، والتبادل التعليمي. ويقدر عدد السكان حاليا بما يزيد قليلا على 615 ألف نسمة، حيث يتسم هذا الرقم بالاستقرار؛ إذ تُعوّض المدينة هجرة بعض الشباب إلى الغرب بجذب الكوادر الداخلية الوافدة من مختلف أرجاء الشرق الأقصى للعمل في مجالات الصناعة والخدمات اللوجستية.

Legion-Media
من أجل هواء نقي
ينفذ إقليم خاباروفسك مشروعا لتوسيع شبكة مراقبة الهواء، عبر إنشاء أربع محطات آلية جديدة عام 2026، وأربع محطات أخرى بحلول 2030. كما خُصص مبلغ 660 مليون روبل من الموازنة الفيدرالية لحماية الغابات، بالتوازي مع تنفيذ برنامج بلدي طويل الأمد يمتد حتى عام 2030، فضلا عن خطط لتنظيف 190 كيلومترا من السواحل ضمن المشروع الوطني “الرفاه البيئي”.
تحديث الأسطول النهري وقوارب فائقة السرعة
يشهد عام 2026 تطوير منظومة نقل الركاب عبر نهر آمور؛ حيث ستعمل السفينة “70 عاما من النصر” على الخط الدولي بين خاباروفسك وفويوان الصينية، لتختصر زمن الرحلة إلى ساعة ونصف فقط وبمعدل 6 رحلات أسبوعية.
وللحفاظ على أسعار التذاكر، رصدت الميزانية أكثر من 400 مليون روبل لدعم النقل الجوي، بجانب تخصيص المحافظ 1.2 مليار روبل لأسطول النقل، لبناء زوج من قوارب الكاتاماران فائقة السرعة، وتشييد منصتي إنزال جديدتين، إضافة إلى إنشاء سفينتين تنتميان لفئة “إيكوكروزر”.

نقطة تفتيش في جزيرة بولشوي أوسورييسكي
يجري حاليا تشييد معبر حدودي مخصص للسيارات يربط بين روسيا والصين عبر مجمع معماري يضم 14 مبنى و10 مسارات تفتيش. وصُمم المعبر بطاقة استيعابية تبلغ 400 مركبة و2500 شخص يوميا لتنظيم النقل الدولي. ويهدف المشروع إلى تقليل الازدحام في منافذ الشرق الأقصى من خلال إطلاق حركة المرور مباشرة بحلول عام 2028، مع إمكانية التشغيل المبكر باستخدام منشآت مؤقتة على غرار تجربة مقاطعة آمور.
المصدر: RT
إقرأ المزيد
(adsbygoogle = window.adsbygoogle || []).push({});
Source link