![]()
إقرأ المزيد
تنحدر الباحثة شحود من مدينة سلمية بريف حماه، وكانت قد استقرت في أمستردام بعد رحلة لجوء بدأت من بيروت عام 2013. هناك، كرّست جهودها لتوثيق الانتهاكات في سوريا، وهو ما قادها في عام 2016 لإطلاق مشروع بحثي مشترك مع البروفيسور أوغور أوميت أونغور؛ سعياً لتفكيك منظومة العنف لدى النظام السوري السابق عبر الاقتراب من الجناة أنفسهم، بدلا من الاعتماد التقليدي على روايات الضحايا فقط.
الاختراق من الداخل
انتهجت شحود أسلوباً استثنائياً لاختراق الجدران المغلقة المحيطة بأجهزة النظام؛ حيث تقمصت شخصية “Anna Sh” عبر حساب وهمي على “فيسبوك”، مدعيةً الولاء المطلق للتقرب من العناصر والضباط. وبمرور الوقت، تمكنت من بناء شبكة تواصل معقدة ضمت المئات من رجال الأمن والإعلاميين الموالين، مما سمح لها بانتزاع معلومات حساسة من قلب الدوائر الضيقة. لم يكن نجاحها مجرد براعة تقنية، بل كان ثمرة جهد نفسي عميق وفهم دقيق للغة والسلوكيات الخاصة بتلك البيئة، مما فتح أمامها أبواباً نادراً ما تُفتح للباحثين أو الصحفيين.
كشف اللغز
انطلقت شرارة التحقيق في عام 2019، عندما وقعت بين يدي شحود تسريبات مرئية مروعة تعود لربيع 2013؛ توثق إعدام 41 مدنيا في حي التضامن بدمشق، وإحراق جثثهم في حفرة جماعية. أمام هذا الدليل القاطع على الوحشية، بدأت شحود رفقة أونغور مهمة مضنية لكشف هوية القتلة.
إقرأ المزيد
ومن خلال تتبع رقمي دقيق، قادها حدسها وبحثها إلى حساب يحمل اسم “أمجد يوسف” (Amgd Youssuf) على “فيسبوك”. ولم تكتفِ شحود بالشبه الشكلي الصادم، بل أخضعت الحساب لتحليل عميق، وربطت شبكة علاقاته الرقمية، حتى تقاطعت معلوماتها مع تأكيدات ميدانية من داخل الحي، لتكشف للعالم وجه المسؤول الأمني المتورط في المجزرة.
السقوط في الفخ
في 22 مارس 2021، وقع أمجد يوسف في الفخ الرقمي الذي نصبته شحود بقبول طلب صداقة “Anna Sh”، لتبدأ أدق مراحل التحقيق. على مدار أشهر من المحادثات والمكالمات المرئية، استطاعت شحود بذكاء نفسي استدراج يوسف لكسب ثقته، حتى تجرد من حذره وبدأ يفاخر بجرائمه قائلاً: “قتلتُ كثيراً”، مبرراً أفعاله بـ “الانتقام” وبأنه “فخور بما فعل”.
هذه الاعترافات الموثقة حوّلت الشكوك إلى أدلة دامغة، وتوجت بنشر التحقيق في صحيفة “الغارديان” عام 2022، مما أحدث هزة عالمية أدت في النهاية إلى تسليم الملف للقضاء الأوروبي، ليتجاوز العمل كونه تحقيقا صحفيا ويصبح ملفا جنائيا لملاحقة مجرمي الحرب.
الثمن والنتيجة
لم يكن كشف مجزرة التضامن بالنسبة لأنصار شحود مجرد إنجاز مهني، بل كان ضريبة نفسية باهظة دفعتها على مدار سنوات من العيش بهوية مزدوجة، والتعايش اليومي مع لغة القتلة؛ في تجربة وصفتها بأنها الأكثر إنهاكاً في حياتها.
لكن هذا الاستنزاف الشخصي أثمر عن توثيق نمط إجرامي متكامل، وتوّج بإعلان وزارة الداخلية السورية مؤخرا عن توقيف المتهم أمجد يوسف.
ومع هذا التطور، يبرز اسم شحود مجددا كمهندسة لهذا التحقيق الذي بدأ بلقطات مسربة، واستحال إلى قضية رأي عام وملف قضائي دولي، يفتح آفاقاً جديدة للمحاسبة عن جرائم الحرب في سوريا.
المصدر: RT + وكالات
إقرأ المزيد
(adsbygoogle = window.adsbygoogle || []).push({});