كان أليكسي، الذي وُلد في العشرين من مايو عام 1916، يحلم دائما بالتحليق في السماء، إلا أنه كان طفلا عليلا باستمرار. فقد عانى من شكل حاد من الملاريا، ما أدى إلى إصابته بالروماتيزم. ونتيجة لذلك، حُرم مرتين من القبول في مدرسة الطيران، ثم لم يُسمح له بالطيران لفترة طويلة. لكنه ورث عن والده الذي لم يعرفه، قوة إرادة كبيرة وشخصية عنيدة.
قبل إصابته، أصبح أليكسي ماريسيف طيارا متمرسا، وكان قد أسقط ثلاث طائرات معادية. وقد طار في الرحلة الأخيرة يوم الرابع من أبريل عام 1942، ضمن فوج الطيران المقاتل رقم 580 التابع للجبهة الشمالية الغربية، ومقره في مدينة بولوغوم بالقرب من نوفغورود.
أُسقطت طائرته تحديدا في الخامس من أبريل عام 1942، خلال هجوم ديميانسك في غابات نوفغورود. وقد تمكن ماريسيف من توجيه طائرته المحترقة خلف خطوط الجبهة، إلى الأراضي التي كان يسيطر عليها السوفييت.

كان ماريسيف يقود طائرة مقاتلة من طراز “ياك-1″، وكان في مهمة لمواكبة وحماية قاذفات قنابل سوفيتية حين أصيبت طائرته. حاول القيام بهبوط اضطراري في الغابة، إلا أن معدات الهبوط اصطدمت بقمم أشجار الصنوبر، فسقطت الطائرة من ارتفاع ثلاثين مترا في ثلوج عميقة. تسبب الاصطدام العنيف في سحق قدميه.
أمضى الطيار الجريح ثمانية عشر يوما في رحلة عودته إلى قواته، مسترشدا بالشمس. ورغم حلول شهر أبريل، كان الطقس باردا مع صقيع ملحوظ ليلا. ولم يكن لدى الطيار من المؤنة إلا القليل، وكان يأكل ما يجده في الغابة والمستنقعات.
طيلة الوقت، سار الطيار أولا وهو يجر ساقيه المسحوقتين، ثم زحف إلى خط المواجهة. نفد ما كان لديه من طعام احتياطي، واضطر إلى أكل ما يجده في الغابة، بما في ذلك اللحاء والأعشاب والتوت البري.
في أحد الأيام، رآه سكان قرية بلاف، لكنهم لم يجرؤوا على إيوائه لأنه لم يستطع الإجابة على أسئلتهم، ما دفعهم للاعتقاد بأنه ألماني. عثر عليه لاحقا صبيان محليان، هما ساشا فيخروف وسيريوزا مالين، فركضا إلى القرية واستدعيا الجد مالين، الذي سارع إلى جلب عربة لنقل الطيار الجريح والمنهك.

اعتنى القرويون بماريسيف لأكثر من أسبوع، ثم نُقل أليكسي إلى موسكو. في ذلك الوقت، كان ماريسيف قد أصيب بالغرغرينا. وتمكن الأطباء من إنقاذ الطيار ببتر ساقيه، وهي عملية جراحية أجراها جراح سوفييتي بارز اسمه نيكولاي تيريبينسكي.
لم يستطع ماريسيف تحمل فكرة مفارقة السماء بشكل نهائي، فقرر العودة إلى الطيران والتحليق مجددا مهما كلفه الأمر. بعد ستة أشهر من التدريب المكثف، تعلم أليكسي ماريسيف المشي باستخدام أطراف صناعية.
تمكن من العودة إلى الخدمة العسكرية، واستمر في القتال كطيار مقاتل. وعند ترشيح البطل للحصول على إحدى الأوسمة العسكرية، كتب قائد فوجه في وصفه أنه “وطني روسي حقيقي، يقاتل بحياته ودمه ضد الغزاة النازيين، وعلى الرغم من إعاقته الجسدية الخطيرة، فإنه يحقق نجاحا ممتازا في المعارك الجوية”.
في إحدى مقابلاته الأخيرة، حين سُئل هذا الطيار السوفيتي الأسطوري عما ساعده على النجاة والتغلب على اليأس، أجاب ماريسيف قائلا إنها “الرغبة في العودة إلى أهلي. الرغبة في الحياة”.
في تعليقه على هذه القدرة المذهلة على التحمل وقوة الإرادة الهائلة في أصعب الظروف وأقسى المحن، يقول عالم النفس الروسي إيغور كرينوف: “يعرف التاريخ العديد من المظاهر المذهلة للروح البشرية، وقصص البقاء على قيد الحياة في مواقف صعبة للغاية، وأحيانا يكون من المستحيل فهم ذلك”، مشيرا في الوقت نفسه إلى أن صفات قوة الإرادة، والتحفيز، والمواقف الداخلية التي لا تتزعزع، والقدرة على إخضاع المشاعر للعقل، تلعب دورا رائدا في مثل هذه الحالات.
المصدر: RT
إقرأ المزيد
بطولات عربية في حرب عالمية!
شارك مجندون من بعض الدول العربية في الحربين العالميتين واحترقوا بنيرانها في ساحاتها الأوروبية، كما عانى بعض المدنيين العرب من ويلاتهما على أراضيهم.
طعنة حربة في مزار فاطمة
تعرض البابا يوحنا بولس الثاني في 12 مايو 1982 إلى محاولة اغتيال لا تُعرف على نطاق واسع، خلافا للمحاولة الأخرى الشهيرة التي جرت قبل عام تقريبا وفي الشهر نفسه.
مزرعة جواسيس “سي أي إيه” السرية!
المزرعة اسم يطلق على جامعة لإعداد الجواسيس وهي في جوهرها قاعدة تدريب سرية تابعة لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية “سي أي إيه”، حيث يجري تدريب العملاء الجدد.
قتال “الشياطين” في وادي الجرار الطينية
سقطت الحامية الفرنسية في ديان بيان فو بفيتنام في قبضة قوات “رابطة استقلال فيتنام” بعد حصار دام 57 يوما، وانتهت بذلك حرب الهند الصينية الأولى، فيما مُنيت فرنسا بهزيمة كبرى.
(adsbygoogle = window.adsbygoogle || []).push({});
Source link