جاء هذا الطلب في إطار سعي الإدارة الأمريكية إلى تعبئة الجهود المدنية لدعم الجنود بشكل منظم وفعال، بعيدا عن التشتت الذي صاحب عمل الجمعيات الخيرية خلال الحرب العالمية الأولى. في ضوء هذه الرؤية، اتحدت ست منظمات رائدة هي، جيش الخلاص، وجمعية الشبان المسيحيين، وجمعية الشابات المسيحيات، والخدمة المجتمعية الكاثوليكية الوطنية، والجمعية الوطنية لمساعدة المسافرين، والمجلس الوطني لرعاية اليهود، ليشكلوا معاً النواة الأولى لمنظمة الخدمات المتحدة “USO”، متجاوزين الانتماءات والهويات المنفصلة لخدمة هدف إنساني جامع.
سرعان ما توسعت أنشطة المنظمة وازداد انتشارها، حيث افتتحت عشرات النوادي التي أصبحت بمثابة ملاذات آمنة ومساحات حيوية للعسكريين المنتشرين في الداخل والخارج. ضمت هذه النوادي قاعات للرقص والاجتماعات، وعروض أفلام وحفلات موسيقية، ووفرت زوايا هادئة للكتابة والقراءة والتواصل مع الأقارب.
كما برزت بشكل لافت ما عُرف بـ”عروض المعسكرات”، التي استقطبت نجوم هوليوود والفنانين الكبار لتقديم عروض حية مباشرة في مواقع الانتشار العسكري، حتى في المناطق القريبة من جبهات القتال. كان من أبرز المتطوعين في هذه العروض الممثل الشهير الذي أصبح لاحقا رئيساً للولايات المتحدة، رونالد ريغان، والذي ساهم أيضا في إنتاج أفلام ترويجية لجمع التبرعات لدعم أنشطة المنظمة. يقال إن هذه البرامج نجحت في رفع معنويات الجنود، محققة شعار المنظمة الذي رفعته منذ البداية: “بيت بعيد عن الوطن”.
مع انتهاء الحرب العالمية الثانية، واصلت المنظمة عملها بنفس الوتيرة، حيث استضافت حفلات غنائية لكبار نجوم البوب في ذلك الوقت. مع ذلك أدى انحسار الحاجة إلى الدعم المباشر بعد الحرب إلى إغلاق معظم نوادي المنظمة عام 1947. هذا التوقف لم يطل، فمع اندلاع الحرب الكورية في عام 1950، أعيد تفعيل المنظمة واستؤنفت برامجها على نطاق واسع، لتمتد خدماتها لاحقا إلى جنود الولايات المتحدة خلال حرب فيتنام، حيث انتشر متطوعوها وممثلوها في الجبهات لتقديم العون والترفيه في مناطق القتال ذاتها.
على الرغم من أن المنظمة تأسست بموجب قانون صادر عن الكونغرس الأمريكي، وتعتمد في تنسيق أعمالها على شراكة وثيقة مع وزارة الدفاع، وكانت تُعرف سابقا بوزارة الحرب، إلا أنها حافظت على طابعها المدني الخاص، واعتمدت في تمويلها على التبرعات الخاصة والأفراد والمؤسسات، ولم تتحول إلى وكالة حكومية في أي مرحلة، ما ضمن لها مرونة كبيرة في العمل والحفاظ على روح المبادرة التطوعية.
لا تزال منظمة الخدمات المتحدة حتى اليوم مؤسسة غير ربحية، مرخصة من الكونغرس، وتمول من القطاع الخاص، تدير أكثر من 250 مركزا حول العالم، وقد تطورت خدماتها لتشمل مجالات عديدة تتجاوز الترفيه المباشر، فقدمت مراكز ضيافة في المطارات، وجولات ترفيهية، وبرامج دعم للأسرة، واستشارات اجتماعية ونفسية، ومساعدات في السكن. كما وفرت في مراكزها إمكانية الاتصال المجاني بالوطن، وفتحت قاعات مجهزة بالإنترنت وغرف للقراءة والألعاب، ونظمت ورش عمل تهدف إلى تقوية الروابط الأسرية وتعزيز التكيف مع ظروف الخدمة العسكرية.
لم تغفل هذه المنظمة العسكريين المنتشرين في مناطق نائية تخلو من مراكزها الدائمة، فأطلقت برنامجا لتوزيع حقائب خاصة تحتوي على مستلزمات النظافة الشخصية والوجبات الخفيفة والأجهزة الإلكترونية البسيطة، كرمز للرعاية والتقدير.
بالنسبة للعسكريين وعائلاتهم المقيمين خارج الولايات المتحدة، تقدم مراكز المنظمة الدولية برامج مساندة تساعدهم على الاندماج في الثقافة المحلية، وتوفر المعلومات والإرشادات اللازمة لتسهيل حياتهم اليومية. هكذا، استطاعت المنظمة، عبر أكثر من ثمانية عقود، أن تتكيف مع المتغيرات الجغرافية والسياسية، وأن تطور خدماتها مع انتشار القوات الأمريكية الواسع وانخراطها في سلسلة طويلة من الغزوات والعمليات العسكرية في أرجاء الأرض.
المصدر: RT
إقرأ المزيد
هوغو تشافيز ونبوءة بـ”رائحة الكبريت”!
يُمكن وصف الراحل هوغو تشافيز “1954-2013” بأنه القائد العسكري والسياسي الفنزويلي الذي صاغ، بعمق وإصرار، معالم الوضع القائم ليس في فنزويلا فحسب، بل وفي محيطها الإقليمي.
تأبين نهر ميت في أوروبا!
في ليلة 30 يناير عام 2000، شهدت بلدة بايا ماري الرومانية كارثة بيئية هائلة. أطلق مصنع حوالي مائة ألف متر مكعب من محاليل السيانيد السامة في رافد نهر سومش، يصب في نهر تيسا.
أمثولة هاواي ومصير غرينلاند!
بحلول نهاية القرن الثامن عشر، بينما كانت القوى الأوروبية توسع نفوذها عبر محيطات العالم، بقي مكان واحد في المحيط الهادئ بمنأى عن وطأة القدم الأوروبية، إنه أرخبيل هاواي الساحر.
(adsbygoogle = window.adsbygoogle || []).push({});
Source link