داخل تلك الغرفة الخاصة بالإنعاش، كانت تيري شيافو تلفظ أنفاسها الأخيرة. كانت تبلغ من العمر واحدا وأربعين عاما، أمضت منها خمسة عشر عاما منها في غيبوبة متواصلة.
لم تكن وفاتها مجرد نهاية حياة، بل خاتمة لمعركة قانونية هزت الرأي العام الأمريكي، وأعادت فتح الجرح العميق في النقاش حول الحق في الموت الرحيم. قبل ثلاثة عشر يوما من رحيلها، وتحديدا في الثامن عشر من مارس، كان أنبوب التغذية الذي أبقاها على قيد الحياة لسنوات قد نُزع بقرار قضائي، بعد أن ظل الخيط الرفيع الذي يصلها بعالم لم تعد تشعر به.
تعود بداية القصة إلى فبراير من عام 1990. كانت تيري في السادسة والعشرين من عمرها، مليئة بالحياة، حين توقف قلبها فجأة. بحسب إحدى النظريات الطبية، كان السبب اختلالا حادا في البوتاسيوم ناتجا عن نظام غذائي صارم اعتمدته. لكن النتيجة كانت مأساوية: نقص الأكسجين الواصل إلى دماغها أحدث تلفا لا علاج له. دخلت في غيبوبة، تحولت معها إلى جسد بلا وعي ولا رد فعل.
منذ عام 1998، شرع زوجها مايكل شيافو، الذي كان وصيا عليها، في رحلة قانونية شاقة لنزع أنبوب التغذية. كان يؤكد أن تيري، حين كانت في كامل صحتها، أعربت عن رفضها القاطع لحياة مصطنعة تعلقها بالأجهزة. لكن والديها، اللذان لم يفقدا الأمل أبدا، تشبثا ببصيص من الأمل، معتقدين أنها لا تزال تستجيب لوجودهما، وأن حالتها ليست ميؤوسا منها.
أخذت القضية تتردد بين المحاكم، لتتحول إلى ساحة تتقاطع فيها الإرادة الشخصية مع الاعتبارات الأسرية وسلطة الدولة. في عام 2000، أصدر القاضي جورج جرير حكمًا مفاده أن تيري تعاني مرضا عضالا، وأجاز إزالة أنبوب التغذية. لكن والديها لم يستسلما، فشنا حملة إعلاميةً واسعة، استطاعت عام 2003 أن تدفع المجلس التشريعي لفلوريدا إلى إصدار قانون منح حاكم الولاية سلطة التدخل لمنع فصل الأجهزة. استخدم الحاكم جيب بوش هذه السلطة فورا، فأُعيد الأنبوب إلى جسد تيري.
إلا أن الانتصار كان مؤقتا، سرعان ما تبين أن هذا القانون ينتهك دستور الولاية والدستور الاتحادي. في فبراير 2005، أعاد القاضي جرير إصدار أمر نهائي بإزالة أنبوب التغذية. نُفذ الأمر في الثامن عشر من مارس، ولم يمض سوى ثلاثة عشر يوما حتى فارقت تيري الحياة.

بعد وفاتها، كشف تشريح الجثة حجم المأساة التي ظلت خفية لعامين. أكد أخصائيو علم الأمراض أن دماغ تيري كان قد تقلص إلى نصف حجم الدماغ الطبيعي، مع تلف طال جميع مراكزه الرئيسة، وهو ما فسّر عدم قدرتها على الحركة أو الكلام. لكنهم لم يستطيعوا الجزم ما إذا كانت قد فقدت الوعي تماما طوال تلك السنوات، أم بقي لديها شكل من الإدراك البدائي. كما ظل سبب نوبة الإغماء الأصلية مجهولا بلا إجابة قاطعة.
انعكست نتائج التشريح في الموقفين المتصلبين: رأى محامي الزوج أن النتائج تؤكد صحة موقف مايكل، بينما رفض والداها، رغم تمسكهما بالأمل حتى النهاية، الاعتراف بأن ابنتهم فقدت قدراتها العقلية بالكامل.
لم تكن تيري الحالة الوحيدة التي عاش فيها الجسد أسرا طويلا بين الحياة والموت. سبقتها إيلين إسبوزيتو التي أمضت سبعا وثلاثين عاما ومئةً وأحد عشر يوما في غيبوبة منذ عام 1941 بعد مضاعفات إثر عملية استئصال للزائدة الدودية، لتدخل موسوعة غينيس كأطول فترة غيبوبة في التاريخ.
بعدها جاءت إدواردا أوبارا، التي دخلت الغيبوبة في السادسة عشرة من عمرها إثر التهاب رئوي عام 1970، لتظل فيها اثنين وأربعين عاما إلى أن فارقت الحياة عام 2012.
هناك قصة مختلفة تماما، هي مصير رجل الإطفاء دون هربرت، الذي أصيب بتلف دماغي شديد أثناء مكافحة حريق عام 1995. دخل غيبوبة استمرت عشر سنوات، قبل أن يستفيق منها فجأة عام 2005 بعد تغيير أدويته، ليكتب فصلا استثنائيا من المعجزات الطبية، لكنه لم يلبث أن رحل بعد عام بسبب التهاب رئوي.
هذه الحالات، بكل ما تحمله من تفاصيل متباينة، تظل شهادة على تنوع الظروف التي تقود إلى الغيبوبة الطويلة، وعلى التحديات المستعصية التي تتركها أمام العائلات والمجتمعات، حين يُطلب منها أن تقرر مصير إنسان غائب عن الوعي، لكنه حاضر بجسده وبالأمل في كل لحظة.
المصدر: RT
إقرأ المزيد
استيقظ هادرا بعد 1000 عام من السبات!
في 30 مارس 1956، ارتفعت أعمدة الرماد فوق بركان “بيزيمياني” إلى أكثر من 40 كيلومترا، فيما ملأت تدفقات الطين مجرى نهر كامتشاتكا، أكبر أنهار شبه الجزيرة.
لستما رهن الاعتقال، هذه عملية سطو!
في ليلة 18 مارس عام 1990، فيما كان الربيع يلفّ بوسطن بنسائمه، حدث ما لم يكن في الحسبان. كان متحف إيزابيلا ستيوارت غاردنر، الذي يشبه قصر أحلام من عصر النهضة، يغط في سبات هادئ.