ويظل المسرح مساحة حيّة للتعبير الإنساني، ومرآة تعكس تحوّلات المجتمعات وأسئلتها الكبرى.
المسرح كفعل وجودي
فالمسرح، في جوهره، ليس مجرد عرض فني يُقدّم على الخشبة، بل هو فعل وجودي قائم على المواجهة المباشرة بين الإنسان ونفسه، وبين الإنسان والعالم. ومن هنا تتعدد القراءات والتجارب التي تناولت واقعه العربي اليوم، بين من يرى فيه فنا يتعرض لضغوط متزايدة، ومن يعتبره رغم ذلك أحد أكثر الفنون قدرة على الصمود وإعادة إنتاج المعنى.
القبض على الجمر…

يعبّر المخرج مأمون الخطيب عن معاناة يومية يعيشها المسرحيون، مؤكدا أن العمل في هذا المجال يشبه “القبض على الجمر”، في ظل ظروف إنتاجية صعبة، وتراجع في الدعم المؤسسي، مقابل هيمنة ثقافة الاستهلاك السريع، وصعود أنماط من “النجومية” المرتبطة بالترند أكثر من ارتباطها بالمنجز الفني. ومع ذلك، يشير إلى أن المسرحيين ما زالوا يتمسكون بالفعل المسرحي كخيار وجودي لا يمكن التخلي عنه.
تحية إلى صنّاع الخشبة وحَمَلة الرسالة

ومن زاوية الوفاء والانتماء، يوجّه الفنان تيسير إدريس تحية تقدير لكل العاملين في المسرح، معتبرا أنهم حَمَلة رسالة إنسانية وجمالية في آن، وأن استمرار هذا الفن مرهون بإخلاص من يقفون خلفه وعلى خشبته، من ممثلين وتقنيين وكتّاب ومخرجين، ممن يجعلون من الخشبة مساحة للحياة المتجددة.
نقد بنيوي للمشهد المسرحي العربي واختلالاته
أما الكاتب والمخرج المسرحي السعودي فهد ردة الحارثي، فيقدّم قراءة نقدية حادّة تكشف جوانب من الاختلالات التي يشهدها المشهد المسرحي العربي، من فوضى المهرجانات إلى غياب المعايير المهنية وهيمنة المصالح والعلاقات على حساب القيمة الفنية. ومع ذلك، لا يغفل عن وجود طاقات شابة وتجارب مخلصة ما زالت تراهن على المسرح بوصفه مشروعا فكريا وجماليا قابلا للتجدد.

المسرح كيمياء حيّة وفعل مقاومة ضد النسيان
وفي رؤية ذات بعد فلسفي وجمالي، يصف الأديب والشاعر الدكتور عبدالكريم بعلبكي المسرح بأنه “كيمياء حيّة”، تتفاعل فيها العناصر الإنسانية والفنية لتنتج لحظة فريدة من الدهشة، حيث يتحول النص إلى إحساس، والحركة إلى معنى، والوجود إلى تجربة مشتركة بين الممثل والجمهور. ويؤكد أن المسرح يظل فعل مقاومة ضد النسيان، ومنبرا للحلم وطرح الأسئلة الكبرى.
ذاكرة المسرح وهشاشة الواقع الإنساني
أما الكاتب والفنان المسرحي يحيى الكفري فيستعيد تجربته مع عمله التلفزيوني “مسرح بلا جمهور”، مشيرا إلى تقديمه المبكر للمخرج الراحل حاتم علي، ويستحضر الكفري أسماء بارزة من المسرحيين السوريين والعرب، ممن شكّلوا جزءا من ذاكرته الفنية والإنسانية، مؤكدا على دور المسرح كمساحة للضوء والمعرفة، سبقت ظهور مراكز السلطة والنفوذ، وستبقى رغم كل التحديات.

ويرسل الكفري نداء إلى المسرحيين، باعتبارهم حراس الوعي الإنساني، بأنهم قادرين على إبقاء شعلة الأمل متقدة، حتى في أكثر اللحظات ظلمة، في عالم يقف على حافة المجهول.
بين الانكسار المتكرر وإصرار البقاء
ويخلص هذا المشهد المتعدد الأصوات إلى أن المسرح العربي اليوم يعيش حالة من التناقض العميق: فهو يضعف في بعض تجلياته، ويقوى في أخرى، يتعرض للتهميش أحيانا، ويستعيد حضوره في لحظات أخرى، لكنه في كل حالاته يظل مساحة حيّة للصراع بين الجمال والواقع، وبين النقد والأمل.

خاتمة: سؤال المسرح المستمر في زمن التحوّلات السريعة
وفي النهاية، يبقى السؤال الذي يجمع كل هذه الأصوات حاضرا: كيف يمكن للمسرح أن يستمر بوصفه مساحة لصناعة الإنسان، لا مجرد عرضٍ عابر في زمن سريع التحوّل؟
في هذا اليوم، يبدو المسرح وكأنه يقول لنا جميعا: قد أتعب… لكنني ما زلت هنا، ولن أنطفئ.
ميسون شباني – RT
إقرأ المزيد
(adsbygoogle = window.adsbygoogle || []).push({});
Source link