ورغم هذا الإرث القاتم، يظهر اليوم اتجاه مثير للجدل يسعى إلى إعادة تقديم أحد مكونات التبغ، النيكوتين، بوصفه أداة محتملة لتحسين الصحة ومقاومة الشيخوخة.
ويروج عدد متزايد من رواد “التحسين الحيوي” في وادي السيليكون لفكرة مفادها أن النيكوتين، بعيدا عن التدخين، قد يمتلك فوائد معرفية وبدنية. ويزعم هؤلاء أن المشكلة لا تكمن في المادة ذاتها، بل في طريقة إيصالها عبر السجائر، التي تحتوي على آلاف المركبات السامة.
ويجادل أنصار هذا التوجه بأن فصل النيكوتين عن التبغ وتقديمه في أشكال “نظيفة” — مثل اللصقات أو الأكياس الفموية — يحوّله إلى مركّب مختلف تماما، قادر على تحسين وظائف الدماغ وكبح الشهية وتنشيط عمليات الأيض، وربما الإسهام في إطالة العمر.
ويبرز في هذا السياق سوق ناشئ يُعرف بـ”نيكوتين إطالة العمر”، يستهدف غير المدخنين الراغبين في تحسين قدراتهم الجسدية والعقلية، ويقع عند الطرف الأكثر تطرفا من عالم الصحة والعافية.
ويثير هذا الاتجاه انتقادات واسعة من خبراء الصحة، الذين يرون فيه محاولة خطرة لإعادة تسويق مادة مسببة للإدمان. وفي المقابل، يصرّ المؤيدون على أن النيكوتين أُسيء فهمه لعقود، وأن اقترانه بالسجائر طمس فوائده المحتملة.
ويدعم هذا التوجه عدد من الشخصيات العامة، من بينهم مقدم البودكاست ومذيع “فوكس نيوز” السابق تاكر كارلسون، الذي يدير علامة ALP التجارية لأكياس النيكوتين، ويصف النيكوتين بأنه مادة “محسّنة للحياة”.

ويتصدر رائد الأعمال في مجال الصحة ديف أسبري قائمة أبرز المدافعين عن هذا المسار، ويعرّف نفسه بأنه “أبو الهندسة الحيوية”، وهي حركة تهدف إلى تعديل وظائف الجسم لتعزيز الأداء وإطالة العمر. ويدّعي أسبري أن عمره البيولوجي لا يتجاوز أواخر الثلاثينيات، وأن فحوصاته تشير إلى أن شرايينه تشبه شرايين شاب في الثالثة والعشرين من عمره.
ويوضح أسبري أن النيكوتين عنصر أساسي في روتينه اليومي، إذ يستخدم منذ خمس سنوات نحو 2 ملغ يوميا عبر لصقة جلدية، أي ما يعادل عُشر كمية النيكوتين الموجودة في سيجارة واحدة.
ويرتكز جزء من هذا الطرح على أبحاث علمية تشير إلى تأثيرات قصيرة الأمد للنيكوتين في تحسين الانتباه. فقد أظهرت مراجعة لـ31 دراسة نُشرت عام 2021 أن لصقات النيكوتين حسّنت التركيز مقارنة بالدواء الوهمي، ويُعتقد أن ذلك يعود إلى تنشيطه مستقبلات الأستيل كولين المرتبطة بالذاكرة والتعلّم.
ويشير آدم تايلور، أستاذ علم التشريح في جامعة لانكستر، إلى أن النيكوتين ينشّط مسارات المكافأة في الدماغ، ويزيد اليقظة والانتباه والتركيز المستمر، إلا أن هذه التأثيرات تمتد أيضا إلى أنحاء الجسم كافة.
ويلفت بعض الباحثين إلى وجود ارتباط بين التدخين وانخفاض معدلات الإصابة بمرض باركنسون، كما أظهرت دراسة واسعة شملت أكثر من 200 ألف شخص، ويُرجّح أن يكون للنيكوتين دور محتمل في ذلك عبر تأثيره في مسارات الدوبامين.
وتبقى الأدلة المتعلقة بتأثير النيكوتين في إبطاء الشيخوخة محدودة. فقد أظهرت دراسات على الحيوانات تحسنا في بعض الأعراض المرتبطة بالتقدم في السن، ربما نتيجة تحفيز آليات إصلاح الحمض النووي، غير أن نتائجها لا تزال غير قابلة للتعميم على البشر.
وتحذّر ياسمين خوجة، عالمة النفس وباحثة النيكوتين في جامعة باث، من أن الآثار طويلة الأمد لاستخدام النيكوتين لدى غير المدخنين ما تزال غير معروفة، مشيرة إلى أنه يرفع معدل ضربات القلب وقد يُلحق ضررا بالجهاز القلبي الوعائي عند التعرض المزمن.
وتؤكد خوجة أن النيكوتين ليس خاليا من المخاطر، وتضيف: “لا يوجد مستوى يمكن اعتباره آمنا للجميع”. كما يحذّر تايلور من أعراض محتملة تشمل خفقان القلب وارتفاع ضغط الدم واضطرابات النوم، إضافة إلى مخاطر الإدمان.
وتخلص الآراء الطبية إلى أن منتجات النيكوتين قد تساهم في مساعدة المدخنين على الإقلاع عن السجائر، إلا أن استخدامها من قبل غير المدخنين لتحقيق فوائد معرفية أو صحية يظل موضع شك، مع ترجيح أن تفوق مخاطر الإدمان أي مكاسب قصيرة الأمد.
المصدر: ديلي ميل
إقرأ المزيد
(adsbygoogle = window.adsbygoogle || []).push({});
Source link