99 % من أوراق الحل بيد العرب! كيف؟

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

تحت العنوان أعلاه، كتب المحلل السياسي رامي الشاعر في صحيفة “زافترا” حول الدور والموقف العربي من الأحداث في منطقة الشرق الأوسط والمعاناة الحقيقية لشعوب بلدان المنطقة.

تلقيت دعوة من دبلوماسيين ممثلين عن دولتين، بمرتبة سفراء معتمدين لدى روسيا، في مقر إقامة أحدهما، ودار بيننا حديث مطول صريح. أعرب الدبلوماسيون عن قلقهم البالغ بخصوص المخاطر التي تتعرض لها القضية الفلسطينية، والأحداث التي تجري في سوريا وليبيا. كما أشاروا إلى متابعتهم باهتمام يومي، وعلى مدار الساعة، لكل ما تقوم به القيادة الروسية من جهود لاحتواء الأزمات في منطقة الشرق الأوسط، ولديهم أمل كبير للغاية في أن تسفر جهود موسكو عن خطوات أكثر عملية وفعالية على أرض الواقع.

يؤكد الدبلوماسيون قناعتهم بأن روسيا قد أصبحت في الوقت الراهن اللاعب الأساسي المؤثر في المنطقة، وقادرة على مساعدة الشعبين الفلسطيني والسوري في إنهاء معاناتهما، والتوصل لحلول مقبولة في الشأن الليبي.استمعت لحديث السادة السفراء الأعزاء، ولمست بالفعل قلقا بالغا لديهم لما وصل إليه الحال في سوريا وليبيا وفلسطين واليمن، والتوترات التي أصبحت المنطقة العربية تعج بها. تدافعت الذكريات، ووجدت أمامي عبارة الرئيس المصري الأسبق، محمد أنور السادات، تقفز من ركن بعيد في الذاكرة، يعود لنصف قرن من الزمان.. “99% من أوراق اللعبة بيد أمريكا”!.

وعلى الرغم مما حل بالمنطقة وشعوبها، والعالم، جراء أوهام القوة والغطرسة والهيمنة الأمريكية، إلا أن البعض لا يزال يؤمن بهذه المقولة، بينما يبحث البعض الآخر عمن يمكن أن تكون بيده نسبة أخرى من “أوراق اللعبة” في المنطقة.

أقول إن أشد ما استغربته في نقاشاتي مع الدبلوماسيين الأعزاء، هو غياب أي دور أو جهود “عربية” في تخفيف معاناة شعوب الدول “العربية”، بينما دار الحديث في المقابل حول التوافق الروسي الأمريكي، ودور الاتحاد الأوروبي في هذا التوافق، وتفعيل دور هيئة الأمم المتحدة، والانصياع لقراراتها، وضمان تنفيذها، وإمكانية ضغط روسيا على إسرائيل لوقف سياسة ضم الأراضي الفلسطينية، ومفتاح الحل “الروسي” للأزمة السورية، من خلال تغيير النظام في دمشق، خاصة عقب الخلافات الداخلية التي ظهرت في الإعلام، وفضائح الفساد الاقتصادي، وتدهور قيمة الليرة السورية. حتى ذهب البعض بأن روسيا يمكن أن تخسر كل ما حققته من إنجازات في سوريا، وينقلب الشعب ضدها، إذا لم تتمكن الآن من التصرف بحسم، وروسيا تستطيع التأثير على تركيا لحل الخلافات الليبية، وغيرها من قضايا المنطقة، التي أصبحت ضمن نطاق اهتمامات السياسة الخارجية الروسية.

أتساءل عن الدور والموقف العربي من كل هذه الأحداث والمعاناة الحقيقية لشعوب هذه البلدان العربية، ويضيق المقام هنا بالدخول في التفاصيل المعقدة والمتشابكة لأدوار وسياسات بعض البلدان العربية، التي أثرت بشكل مباشر، وتسببت في الكثير من المشاكل التي تعاني منها الشعوب اليوم في اليمن وسوريا وليبيا. وإذا كنا الآن بصدد البحث عن حلول لتخفيف معاناة هذه الشعوب، فالمسؤولية تقع بالدرجة الأولى على البلدان العربية، فأحد لن يأتي للمنطقة لسد جوع السوريين واليمنيين (وقريبا اللبنانيين والفلسطينيين)، بينما توجد في الجوار دول عربية فاحشة الثراء، اضطلعت بدور أساسي في وقوع هذه الكوارث الإنسانية.

كيف لنا أن نطالب روسيا بتغيير النظام في دمشق، بعد أن أنقذت سوريا من مصير “الخلافة الإسلامية”، وبعد أن كادت أن تتحول إلى “إمارة”، تحت حكم “أمير المؤمنين”، الإرهابي، أبو بكر البغدادي؟! نعم، كما قرأتم بالضبط والتحديد وعلى وجه الدقة، كانت دمشق بالفعل على بعد شهر واحد أو أقل من السقوط في يد الإرهابيين، وكانت الدولة السورية على بعد خطوات من هذا المصير، لولا تدخّل القوات الجوية الفضائية الروسية. هل يتخيل أحد شكل المنطقة العربية برمتها إذا ما كانت الأوضاع قد آلت إلى هذا المنتهى؟ وهل يتذكر المطالبون اليوم بتغيير النظام والرئيس بأي ثمن، ما آلت إله مدينة الموصل العراقية، بعد سقوطها في يد “داعش” في مثل هذا اليوم من عام 2014؟

إن تدهور الأوضاع الاقتصادية والدمار الذي حل بسوريا، لم يحدث بسبب شركة الاتصالات أو الفساد فحسب، وإنما كان نتيجة مباشرة لتدخل عربي بتمويل قدره 138 مليار دولار (بحسب اعتراف رئيس الوزراء السابق بدولة قطر، حمد بن جاسم).

وإذا قدرنا أن الدمار عادة ما يكلف 10% من قيمة المستهدف، يصبح ما تم تدميره بالفعل من مقدرات ومدخرات وموارد وأملاك الشعب السوري أكثر من ألف مليار دولار على أقل تقدير، ناهيك عن الأرواح التي لن تعود. يحتاج الشعب السوري اليوم إلى مثل ذلك المبلغ لإعادة بناء سوريا من جديد، لعودة الحياة إلى ما يشبه طبيعتها الماضية، فهل يجب على روسيا أن تتحمل هذا العبء؟

لقد تحدث الدبلوماسيون أيضا عن تدهور الليرة السورية، والأوضاع الكارثية التي يعيشها الشعب السوري، ولكن أين الدعم العربي، والإمكانات العربية لإنقاذ الشعب “العربي الشقيق”. وهل كتب على الشعب السوري أن يكون بالأمس ضحية إرهابيين استخدموه دروعا بشرية، واليوم بينما يعيش في كنف “نظام ورئيس” لا يروق لنا، نوصد الأبواب حتى يجوع ويموت بسياسة “الأرض المحروقة”، أقول إن الشعب ليس “أرضا” كي نحرقها!

إن لسوريا خصوصيتها، فعمر هذا النظام نصف قرن من الزمان، تربى في ظله العمال والفلاحون والمهندسون والأطباء وكوادر التكنوقراط،  مئات الآلاف من هؤلاء، وما لا يقل عن 3-4 ملايين من المؤيدين، يمثلون مؤسسات الدولة بما فيها الجيش العربي السوري، فكيف يمكن “التضحية” بهؤلاء، والدفع بعملية التغيير من خلال عقوبات كـ “قانون قيصر” وغيره من العقوبات المفروضة على الدولة السورية؟ لابد علينا أن ندرك أن تلك العقوبات ليست عقابا جماعيا للشعبين السوري واللبناني فحسب، وإنما هي عقاب وتهديد لجميع الدول العربية في المنطقة، لما تسببه من معاناة للشعبين اللبناني والفلسطيني واللاجئين المقيمين في لبنان وسوريا وفي كل أنحاء الوطن العربي، هذه حقيقة يجب أن نعيها جيدا. كذلك يتعيّن علينا أن نعي، أن التغيير لن يحدث طالما لم يقم السوريون أنفسهم بالشروع في عملية الانتقال السياسي وفقا لقرار مجلس الأمن رقم 2254، وأن أي محاولات من أي طرف أيا كان، لفرض شروطه، أو الإقدام على مغامرات غير محسوبة العواقب في ظل الظروف الحالية، سوف تشعل حربا أهلية طائفية في سوريا، تذهب بالأخضر واليابس.

لذلك، فالمطلوب اليوم هو تضامن عربي لمساعدة الشعب السوري ضد العقوبات الاقتصادية التي لن تزيد الطين إلا بلة، حيث يجب أن يكون الدور العربي هو الدور الأساسي في مساعدة سوريا للخروج من محنتها وأزماتها الداخلية والخارجية، وكذلك الأمر بالنسبة لليمن وليبيا. يكفي التوقف عن التدخلات الخارجية في شؤون الدول، واحترام سيادتها، لتنتهي 90% من مشكلات هذه البلدان، حينها يمكننا أن نترك الـ 10% الباقية لروسيا والأمم المتحدة، وحتى للولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي إذا شئتم، على أن تكون 99% من أوراق اللعبة بيد العرب أنفسهم لا بيد أي من القوى الخارجية.

لقد كانت الترجمة على أرض الواقع لمقولة السادات: اتفاقية كامب ديفيد، واتفاق أوسلو، واتفاقية السلام الأردنية الإسرائيلية والسكوت العربي على ضم الجولان والقدس الشرقية. وكانت ترجمة الهيمنة الأمريكية، وأوهام أحادية القطبية غزو العراق وقصف يوغوسلافيا والثورات الملونة وما تلاها من أحداث غيّرت وجه العالم بعد تفكك الاتحاد السوفيتي عام 1991.

إن المسؤولية الأولى والأساسية تقع على عاتق الفلسطينيين أنفسهم، الذين أتاحوا الفرصة بانقسامهم لما وصلنا إليه اليوم. فلا يمكن بأي شكل من الأشكال تبرير ما قامت وتقوم به أي من القيادات الفلسطينية سواء في رام الله أو غزة وأدى للانشقاق حول القضية العادلة والمصيرية للشعب الفلسطيني، خاصة في الظروف الراهنة، بعدما أعلن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، عن مشروع “صفقة القرن”.

لقد قامت موسكو بمحاولتين لدعوة جميع ممثلي الفصائل الفلسطينية، لإنهاء الانقسام الفلسطيني، لكن شيئا لم يتحقق حتى الآن مع الأسف الشديد، ومع استمرار موسكو في بذل الجهود على جميع المستويات، لدعم نضال الشعب الفلسطيني، ورأب الصدع بين الفرقاء، يطرح السؤال نفسه: أين الدور العربي؟ أين الموقف العربي الموحّد لمساندة الحقوق الشرعية للشعب الفلسطيني؟ وكيف يمكن لموسكو أن تساعد في ضوء غياب الوحدة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية وأي دور أو جهود عربية موحدة للتصدي لصفقة القرن؟

إن ما يحدث في الوطن العربي، وجميع الأزمات التي تعاني منها سوريا واليمن وليبيا، مع الأسف الشديد، هي أزمات مفتعلة، تورّطت في افتعالها أطراف عربية بشكل مباشر لخدمة مصالح أطراف خارجية، ولن يساعد في حل هذه الأزمات، وإنقاذ شعوب المنطقة أولا وقبل أي شيء، سوى إعادة النظر في تورط تلك الأطراف أو الأجهزة العربية في تأجيج هذه الصراعات، والتخلي عن الخلافات العربية المفتعلة، لمصالح أطراف خارجية، لا يزال البعض يظن أنها تملك “99% من أوراق اللعبة”.

بعض الدول العربية تنفق مليارات الدولارات لصالح المجمع الصناعي العسكري الأمريكي، حتى وصل الإنفاق العسكري لإحدى الدول إلى نصف تريليون دولار أمريكي (500 مليار دولار أمريكي!)، كانت تكفي لإنهاء مأساة شعوب المنطقة، وتحسين وضع السوريين واليمنيين والفلسطينيين وغيرهم من شعوب المنطقة التي ترزح تحت وطأة الفقر والجوع والمرض.

إن المشكلة الأكبر في ليبيا ليست تركيا أو الشركات الأمنية الروسية المختلفة التي يتم الحديث عنها مؤخرا، بإيعاز من مصادر إعلامية غربية، في ظل التطورات التي جرت في السنة الأخيرة على الأرض. وإنما هي الخلافات العربية التي تسببت في تدمير ليبيا، ولا زالت تدور فيها رحى الحرب لأكثر من 9 سنوات. وما أن تنتهي الأزمة الخليجية، وتستعيد جامعة الدول العربية عافيتها، ويستعيد مجلس التعاون الخليجي كيانه ولحمته، حتى تنتهي الأزمة الليبية. وهو ما ينطبق على الأزمة اليمنية. فلن يساعد العرب إلا العرب، وعودة تلاحم الدول العربية أمام المخططات الدولية للمنطقة هي القوة الوحيدة القادرة على حماية سيادة وحرية وتكامل أراضي أي وكل دولة عربية، ولا حاجة لإنفاق كل هذه المليارات لتوجيه البنادق إلى بعضنا البعض.

لقد نشر موقع “مكان” الإسرائيلي مؤخرا أن السفير الفرنسي لدى إسرائيل، أريك دانون، توقع أن تشهد العلاقات بين فرنسا وإسرائيل فترة معقدة، حال قررت إسرائيل تطبيق خطة ضم أراضي الضفة الغربية، مؤكدا على أن قصر الإليزيه سيعمل من أجل خلق حوار مبني على الصداقة تجاه إسرائيل، ومن أجل الدفع بحلول جديدة إلى الأمام. وأشار دانون إلى تزايد الضغوط الإسرائيلية في باريس لتغيير الموقف الفرنسي من القضايا الجوهرية المتعلقة بالنزاع الإسرائيلي الفلسطيني، مضيفا مع ذلك أن كل تغيير بخصوص سياسة فرنسا، سيتخذ من قبل الرئيس الفرنسي وفقا للمصالح الحيوية الفرنسية.. يعني ذلك ببساطة أن المصالح الحيوية الفرنسية تعلو على الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني وقرارات الأمم المتحدة وقيم العدل والحق والمساواة بين الدول والأمم والبشر، يعني ذلك ببساطة أن الاعتبار الوحيد للدولة صاحبة الثورة الفرنسية، التي نادت بـ “الحرية والمساواة والأخوة”، هو المصالح الحيوية لفرنسا في الشرق الأوسط. هكذا وبلا مواربة!

لذلك تنادي موسكو بعودة التضامن العربي ودور جامعة الدول العربية بوصفها الدعامة الأهم لضمان أمن المنطقة، وحماية الممرات المائية. وندعو الجميع للبحث عن سبل تحسين العلاقات مع إيران، بوصفها الطريق الأقصر لإنهاء عقود من العداء بحجج مخاوف التوسع الإيراني.

إن بناء علاقات جوار واحترام متبادل لسيادة وإرادات الدول هو الطريق الوحيد لانتعاش المنطقة وازدهارها ورخاء شعوبها.

لقد تسببت مقولة السادات حول الـ 99% من أوراق اللعبة في كوارث جيوسياسية وديمغرافية واجتماعية واقتصادية هائلة في المنطقة.

ولكن، ألم يحن الوقت كي يستعيد الدور العربي ولو حتى 88% من أوراق اللعبة، ويترك لهيئة الأمم المتحدة الـ 12% الباقية؟

رامي الشاعر

كاتب ومحلل سياسي

المقالة تعبر فقط عن رأي الصحيفة أو الكاتب

اضف تعليق

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.