وداعا يا أبا سعد.. فالصمت الآن يناديك

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.



في صباح يوم من أيام آذار، أغلقت بيروت نافذتها على صوت كان يوقظ الضمير حين ينام.. أحمد قعبور، ابن المصطبة ورائحة مربى السفرجل، وحفيد كمان أبيه الأول، غادرنا بعد صراع مع المرض، تاركا خلفه صدى أغنية لا تزال تتردد في شرايين الأمة: “أناديكم”.

لم يولد صوت قعبور في استوديوهات الفخامة، بل تشكل على مصطبة بيت بسيط في بيروت، حيث كانت أمه فاطمة، المرأة الأمية التي آمنت بأن العلم سلاح، تغرس في روح طفلها بذرة الحلم.. هناك، بين دخان سجائر والده محمود عازف الكمان، ودفء حكايات الجد خليل، تعلم أن الوطن ليس خريطة على الحائط، بل هو رائحة قهوة الصباح، ووقع خطوات على الرصيف، وقلب يتسع لتسعة أطفال كأنهم واحد.

كانت بيروت آنذاك تغلي بالتحولات، لكن قعبور اختار أن يكون صوت الذين لا صوت لهم. لم يغن للملوك ولا للسلطات، بل غنى للجرحى، للاجئين، للأمهات اللواتي ينتظرن أخبار أبنائهن، وللأطفال الذين ضاعت أحلامهم تحت القصف.

في عام 1975، ومع كلمات الشاعر الفلسطيني توفيق زياد، ولدت “أناديكم”. لم تكن أغنية عادية، بل كانت كفكفة لدموع جيل انهزم في 1967، ومحاولة لتحويل الهزيمة إلى أمل، والألم إلى مقاومة.

أناديكم.. أناديكم.. صباح الخير يا وطني.. غدا نلتقي.. بهذه الكلمات البسيطة العميقة، اخترق قعبور الحدود الجغرافية والسياسية، ليصل إلى قلب كل إنسان يبحث عن كرامة. أصبحتْ “أناديكم” نشيدا غير رسمي للقضية الفلسطينية، يردده المتظاهرون في الساحات، ويهمس بها المحبون في البيوت، وتبكي معها الأمهات على أبنائهم.

لم يكن ارتباط قعبور بفلسطين مجرد موقف سياسي، بل كان هوية ووجدانا. منذ طفولته، حين قرأ “أم سعد” لغسان كنفاني، أصبح فلسطينيا بالروح. حتى إن محمود درويش ظنه فلسطينيا فسأله: “من أي قرية أنت؟”. فلما أجاب بأنه لبناني، ابتسم الشاعر قائلا: “هذا الذي يكتب بهذه الروح لا يمكن إلا أن يكون فلسطينيا”.

كان يزور مخيم صبرا مع والدته، يعرف وجوه التعب والمعاناة، ويشم رائحة السوق الشعبي. هذه الذاكرة تحولت إلى ألحان تحمل وجع الشعب الفلسطيني، ليس كشعارات جوفاء، بل كحكايات إنسان يشارك أخاه الإنسان ألمه.

رحل أحمد قعبور، لكن صوته لن يرحل. ترك لنا أكثر من مئة عمل فني، من “علوا البيارق” التي لا تزال تتردد في ليالي رمضان، إلى “يا نبض الضفة” و”خلينا مع بعض” و”بدي غني للناس”. ترك لنا مسرحا وسينما، وألحانا للأطفال تصل إلى أكثر من ثلاثمئة لحن، وبرامج تلفزيونية جمعتْ بين الفن والبساطة.

لكن أهم ما تركه هو المبدأ: أن الفن ليس ترفا، بل رسالة. أن الفنان ليس نجما يلمع في السماء، بل إنسان يمشي على الأرض، يحمل هموم الناس، ويحول ألمهم إلى جمال.

في آخر أيامه، حين كان المرض ينهش جسده، كان قعبور يظهر على المسرح رغم الدوار والتعب. في مقطع انتشر على وسائل التواصل، نراه يترنح لكنه يستمر في الغناء. تلك كانت رسالته الأخيرة: أن الإرادة الفنية أقوى من أي مرض، وأن الصوت الصادق لا يسكته حتى الموت.

اليوم، تشيع بيروت ابنها إلى مثواه الأخير. من مستشفى المقاصد إلى مسجد الخاشقجي، ثم إلى جبانة الشهداء. لكن الحقيقة أن أحمد قعبور لن يوارى في التراب. فهو باق في كل مرة يهمس فيها شاب فلسطيني بكلمات “أناديكم”، وفي كل مرة تدمع فيها عين أم لبنانية على نغمة من ألحانه، وفي كل مرة يختار فيها فنان شاب أن يكون صوتا للحقيقة لا للسلطة.

أناديكم.. وكأن النداء اليوم يعود إلينا.. أين أنتم يا من ورثتم الأرض بعدنا؟.. أين أنتم يا من ستحملون الراية بعدنا؟ أناديكم.. فلا تجيبون.

رحلت يا أحمد، وتركت لنا الصمت ينادي. لكن صمتنا هذا، إن صدق يوما، سيكون امتدادا لندائك. فسلام على روحك، وسلام على صوتك الذي سيبقى، ما بقي في الأرض إنسان يبحث عن عدالة، وما بقي في القلب نبض يحمل حبا.

وداعا يا من علمتنا أن الغناء حين يكون صادقا، لا يموت أبدا.

المصدر: RT

(adsbygoogle = window.adsbygoogle || []).push({});

Source link

اضف تعليق
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.