مغامرة مجنونة غير محسوبة العواقب

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.


حيث قال كين إن “نقص الذخائر وانعدام الدعم من الحلفاء سيزيد من المخاطر التي تهدد العملية والأفراد الأمريكيين”.

قبلها كان المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف وصهر الرئيس جارديد كوشنر قد وجها رسالة إلى ترامب لمطالبته بعدم توجيه ضربات لإيران في الوقت الراهن، وإفساح المجال أمام الجهود الدبلوماسية فيما يبدو وكأن الهدف من التصريحات هو التمويه على ساعة الصفر لخداع القيادة الإيرانية.

إقرأ المزيد

أهمية الدور العماني في نزع فتيل الأزمة الإيرانية

كذلك كشف موقع “أكسيوس” نقلا عن مصدر مطلع خلال المفاوضات التي جرت يوم الخميس الماضي، 26 فبراير، عن خيبة أمل من الموقف الإيراني عبر عنها المبعوثان الأمريكيان ويتكوف وكوشنر. من ناحية أخرى كتب كبير المستشارين للمرشد الأعلى الإيراني علي شمخاني على منصة “إكس”، أثناء استمرار المحادثات، أن “الاتفاق الفوري في متناول اليد”، وأن عدم سعي إيران لامتلاك سلاح نووي يتوافق مع فتوى المرشد الأعلى خامنئي والعقيدة الدفاعية الإيرانية، مؤكدا على أن لدى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ما يلزم من “الدعم والسلطة لإبرام الاتفاق”، في إشارة إلى صلاحيات الوفد الإيراني للتوصل إلى نتيجة إيجابية حاسمة. كان ذلك مساء الخميس.

صباح السبت استيقظت منطقة الشرق الأوسط على زلزال هائل بضربات أمريكية واسعة النطاق تشمل كامل الأراضي الإيرانية، استهدفت قيادات إيرانية، تأكد من بينها فيما بعد، وفقا لما أعلنه التلفزيون الإيراني ليلة أمس، مقتل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، في منعطف شديد الخطورة يهدد إيران والإقليم والعالم أجمع.

لقد انتصرت الحكومة الإسرائيلية الأكثر يمينية وتطرفا في تاريخ الدولة العبرية في مسعاها لجر القوة العسكرية الهائلة للولايات المتحدة إلى مغامرة جنونية غير محسوبة العواقب بالمرة، حيث يتم تدمير توازن القوى في المنطقة، دون أي تصور عما يمكن أن تسفر عنه الضربات، أو حتى يسفر عنه “سقوط النظام الإيراني” إذا ما تمكنت الولايات المتحدة من بلوغ هذا الهدف بعيد المنال بالأساس.

وبنفس الآلية التي تفتق بها ذهن الولايات المتحدة عام 2002 عن استخدام التحالف الشمالي بقيادة أحمد شاه مسعود لمواجهة طالبان، واستخدام أحمد الجلبي لجلب الاستقرار للعراق عام 2005، وبنفس الآلية التي قصفت بها القوات الأمريكية ليبيا، يخرج علينا الرئيس ترامب اليوم ليدعو الشعب الإيراني للخروج (بعد انتهاء الضربة المميتة للنظام فيما يبدو!) للسيطرة على مؤسسات الدولة وإدارة نفسه بنفسه، واستخدم الرئيس الأمريكي كلمات حماسية من عينة: “لقد حانت ساعة حريتكم”، “لقد طلبتم مساعدة أمريكا ولم تحصلوا عليها من قبل، حيث لم يكن أي رئيس مستعدا لفعل ما أنا مستعد لفعله الليلة”.

إقرأ المزيد

قنبلة نووية قذرة ضد أوروبا

فيتساءل المرء من يخاطب هذا الترامب؟ يخاطب الإيرانيين بلغة انجليزية أمريكية صحيحة، ستترجم بالقطع إلى اللغة الفارسية، وستنقلها كل وسائل الإعلام خارج وداخل إيران، وستصل إلى أسماع الشعب الإيراني بكل تأكيد.. ولكن.

أي شعب سيخرج، ومن سيخرج من أين وإلى أين، ومن سيقوم بماذا للحصول على ماذا؟ وهل المعارضة الإيرانية قادرة على الاضطلاع بمسؤولية حكم بلد بحجم إيران؟ وهل انتفت العقيدة الشيعية هكذا بضربة صاروخ ورحيل المرشد الأعلى؟ وهل اختفت قرون من الإيمان الراسخ والمتجذر في الوجدان الشعبي الإيراني بالمرشد وبالخميني والخامنئي وبالحسن والحسين لمجرد أن جاء ترامب وقال للشعب الإيراني: فلتهبوا من أجل الحرية الأمريكية؟!

قد يرقص البعض في الشوارع طبعا، وقد يحتفل بعض الإيرانيين برحيل المرشد، أو حتى بـ “سقوط نظام”، ولكن ماذا سيحدث في اليوم التالي؟ لمن تكون الكلمة العليا؟ ومن سيقود الحرس الثوري؟ وهل سينشق الحرس الثوري؟ هل ستنبثق عنه حركات “معارضة”https://arabic.rt.com/”منشقة”؟ هل سنرى “الجيش الإيراني الحر” بآلية “الجيش السوري الحر”، ثم فصائل وكتائب وتنظيمات ما أنزل الله بها من سلطان؟

ثم ماذا عن الأذريين (16-24% من الشعب الإيراني)، والأكراد (7-10%)، واللور (2-6%)، والعرب (2-4%) والبلوش والتركمان؟! بل قل ماذا عن الفرس أنفسهم (51-61% من الشعب) وهل هم بالفعل منقسمون بالنسب التي يتصورها نتنياهو؟ وهل البيانات الاستخباراتية والجواسيس والعملاء ينقلون صورة دقيقة عن “معارضة” حقيقية واسعة الانتشار قادرة على السيطرة على الوضع إذا ما سقط النظام؟

كل تلك أسئلة بلا أجوبة، سنعرفها خلال الأشهر (وربما السنوات) المقبلة. لكن ما نعرفه هو شيء واحد أكيد، هو أن المنطقة قبل 28 فبراير 2026 لن تعود كما كانت أبدا.

فمقتل المرشد الأعلى للثورة الإسلامية الإيرانية علي خامنئي هو بداية طريق وليس نهاية نظام، تماما كما كانت ثورات الربيع العربي ورحيل أنظمة وانتخاب/وصول/تنصيب أنظمة أخرى بداية لحقبة جديدة في منطقة الشرق الأوسط بكل ما يحمله ذلك من توترات وصراعات بالوكالة.

إقرأ المزيد

آفاق اجتماعات جنيف ومن يقف ضد التاريخ؟

وقد أكدت الخارجية الروسية، في بيانها الصادر يوم أمس 28 فبراير، أن حجم وطبيعة الاستعدادات العسكرية والسياسية والإعلامية التي سبقت هذه الخطوة الطائشة، بما في ذلك حشد مجموعة عسكرية أمريكية كبيرة في المنطقة، لا تترك مجالا للشك في أننا أمام عمل عدواني مسلح مخطط له مسبقا، دون أن يسبقه أي استفزاز، ضد دولة مستقلة ذات سيادة وعضو في الأمم المتحدة، في انتهاك صارخ للمبادئ والقواعد الأساسية للقانون الدولي.

وأدانت الخارجية الروسية الهجمات التي تنفذ “تحت غطاء استئناف العملية التفاوضية” المفترض فيها “تحقيق تطبيع تطويل الأمد” للوضع المحيط بإيران، وبخلاف ما نقل للجانب الروسي بشأن “عدم وجود اهتمام لدى الإسرائيليين بالدخول في مواجهة عسكرية مع الإيرانيين”.

وأكدت الخارجية الروسية ضرورة أن يضطلع المجتمع الدولي، بما في ذلك قيادة الأمم المتحدة والوكالة الدولية للطاقة الذرية بمسؤولياتهم في تقديم تقييم موضوعي وحازم وفوري لمثل هذه التصرفات غير المسؤولة التي لا تهدف سوى إلى تقويض السلام والاستقرار والأمن في الشرق الأوسط، مشيرة إلى أن مغامرة واشنطن “خطيرة” وتدفع بالمنطقة نحو كارثة إنسانية واقتصادية وربما إشعاعية.

ونوهت الخارجية الروسية إلى النوايا المعلنة لمرتكبي هذا العدوان بتدمير النظام الدستوري والقضاء على قيادة دولة ذنبها الوحيد أنها مستقلة الإرادة السياسية ولا ترضخ لما يفرض عليها من إملاءات القوة والهيمنة. وحملت المسؤولية الكاملة للتداعيات السلبية للأزمة المصطنعة بما في ذلك سلسلة التفاعلات غير المتوقعة وتصاعد دوامة العنف على عاتق المعتدين حصرا.

وطالبت الخارجية بإعادة الوضع فورا إلى مسار التسوية السياسية والدبلوماسية مؤكدة على استعداد روسيا دوما للإسهام في البحث عن حلول سلمية على أساس القانون الدولي والاحترام المتبادل وتوازن المصالح.

وبعيدا عن الشرق الأوسط فإن أبطال المشهد هم نفس السيد ويتكوف (الذي زار موسكو بانتظام خلال العام الماضي)، والسيد كوشنر صهر الرئيس الذي انضم مؤخرا إلى العملية التفاوضية بشأن أوكرانيا، وما يحدث هو نفس استراتيجية الولايات المتحدة في التفاوض (في صيغة ثلاثية بين روسيا وأوكرانيا والولايات المتحدة)، بالتزامن مع تزويد الولايات المتحدة و”الناتو” لأوكرانيا بالبيانات الاستخباراتية والأسلحة والتدريب والاستشارات العسكرية لقصف مواقع داخل روسيا، وقتل الجنود الروس في العملية العسكرية الروسية الخاصة بأوكرانيا. فكيف يمكن الوثوق بمثل هذه الإدارة، وهذه الأشخاص، وتلك الآلية في العمل؟

إن ما نراه أمام أعيننا اليوم ليس فقط وصول شرارة إلى برميل البارود في الشرق الأوسط، بل سقوط مدو ومرعب للنظام العالمي الراهن، لا النظام الإيراني. ولا يمكنني في اللحظة الراهنة تصور أو تخيل كل ما يمكن أن تسفر عنه هذه المغامرة المجنونة إقليميا ودوليا.

الكاتب والمحلل السياسي/ رامي الشاعر

المقالة تعبر فقط عن رأي الصحيفة أو الكاتب

(adsbygoogle = window.adsbygoogle || []).push({});

Source link

اضف تعليق
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.