نجح الكيميائي الألماني البارز أدولف ويندوس في عزل وتحديد مادة “الإرغوستيرول”، التي تعتبر صورة أولية أو “بروفيتامين د”. اكتشف ويندوس أن هذا المركب يتحول إلى الشكل الفعال من الفيتامين، المعروف باسم “إرغوكالسيفيرول”، عند تعريضه للأشعة فوق البنفسجية. هذا الإنجاز العلمي الباهر، الذي كشف العلاقة الكيميائية بين ضوء الشمس وتكوين الفيتامين في الجسم، أهل العالم ويندوس لنيل جائزة نوبل في الكيمياء.
لفهم قيمة هذا الاكتشاف، لا بد من استحضار معاناة البشرية التاريخية، وخصوصا في المدن الصناعية المكتظة، من انتشار مرض الكساح بين الأطفال، وهو مرض لين العظام وتشوهها الناجم عن نقص التمعدن. كانت المعرفة السائدة بحلول أوائل القرن العشرين تقتصر على علاج المرض بواسطة زيت كبد الحوت أو من خلال التعرض لأشعة الشمس والمصابيح فوق البنفسجية، لكن الآلية الأساسية وراء هذا العلاج بقيت لغزا محيرا. جاءت أبحاث ويندوس لتضع النقاط على الحروف، وتثبت كيميائيا أن الضوء يقوم بتحويل مركب موجود في الجلد والبشرة إلى ذلك العنصر الغذائي النشط.

مثل العزل الكيميائي لفيتامين “د” في عشرينيات القرن الماضي منعطفا حاسما في الصحة العامة. ابتداء من مطلع الثلاثينيات، أدى إثراء الأغذية الأساسية كالحليب والحبوب بهذا الفيتامين المصنّع إلى القضاء شبه التام على الكساح كمشكلة صحية في العديد من أقطار العالم. لم تقتصر الثورة على الصحة البشرية فحسب، بل شملت أيضاً مجال الزراعة وتربية الحيوانات، حيث أتاح التزويد الصناعي بالفيتامين، تربية حيوانات سليمة ومعافاة حتى في الأماكن المغلقة، بعيدا عن الشمس.
بالنظر إلى الوظائف الحيوية لهذا الفيتامين، نجد أن أهميته تتجاوز بكثير مجرد صحة العظام، رغم أن هذه الوظيفة تظل الأساسية. هو فيتامين ذائب في الدهون، ويعمل بمثابة هرمون داخل الجسم، حيث تنتشر مستقبلاته في شتى الأنسجة والأعضاء. تكمن مهمته المركزية في تنظيم استقلاب المعادن، وبالأخص الكالسيوم والفوسفور، حيث يحافظ على تركيزهما المثالي في الدم من خلال تحفيز امتصاصهما في الأمعاء الدقيقة وإعادة امتصاصهما في الكلى. هذا التنظيم الدقيق ضروري ليس فقط لبناء العظام والحفاظ على صلابتها، بل أيضا للوظيفة الطبيعية للأعصاب والعضلات وتخثر الدم وصحة الأوعية الدموية.
أما على صعيد المناعة، فإن فيتامين “د” يقوم بدور محوري في تعزيز دفاعات الجسم، حيث ينظم نشاط وتمايز الخلايا المناعية كالخلايا البلعمية الكبيرة والخلايا اللمفاوية التائية، ما يجعل الاستجابة للعدوى أكثر فعالية. كما تشير الدراسات إلى تأثيره المباشر على صحة الجهاز العصبي والمخ، حيث يدعم نقل الإشارات العصبية وقد يكون له دور في تنظيم المزاج والحد من أعراض الاكتئاب والقلق، وذلك عبر آليات تتضمن التأثير على إنتاج النواقل العصبية.

بالنسبة للقلب والأوعية الدموية، يسهم الفيتامين في تنظيم ضغط الدم والحفاظ على وظيفة القلب الطبيعية، كما يعمل على خفض مستويات الحمض الأميني “الهوموسيستين”، الذي ترتبط زيادته في الدم بزيادة خطر الإصابة بأمراض القلب والشرايين. كما يعزز فيتامين “د” من امتصاص عدد من المعادن المهمة الأخرى كالمغنيسيوم والزنك، ما يعمق من تأثيره الشامل على سير العمليات الحيوية في الجسم. تتوفر أدلة علمية متزايدة، وإن كانت بحاجة لمزيد من البحث، على دوره المحتمل في تقليل خطر الإصابة ببعض أنواع السرطان، كسرطان القولون والثدي والبروستاتا، من خلال تنظيم دورة حياة الخلايا ومنع تكاثرها غير المنضبط.
على الرغم من هذه الفوائد الجمة والتاريخ المجيد لفيتامين “د” الصناعي في القضاء على العديد من الأمراض، يحث الخبراء على التفريق بين استخدامه كعلاج للنقص المؤكد وبين تناوله العشوائي كمكمل غذائي. الأدلة على فوائد المكملات للأشخاص الذين يتمتعون بمستويات طبيعية من الفيتامين لا تزال غير قاطعة، ما يؤكد على الحكمة الطبية المتمثلة في استشارة المختص وتحديد الجرعة بناء على الفحص المخبري، والاعتماد أولا وأخيرا على المصادر الطبيعية المتمثلة في التعرض المعتدل لأشعة الشمس وتناول الأغذية الغنية بهذا الفيتامين الحيوي.
المصدر: RT
إقرأ المزيد
خلف واجهة نيوزيلندا البراقة!
تعد معاهدة “وايتانغي”، التي وُقِّعت في 6 فبراير عام 1840 بين ممثلي التاج البريطاني وزعماء من قبائل الماوري، الوثيقة التي أعلنت نيوزيلندا مستعمرة بريطانية وأصبحت أساس وجودها الحالي.
خطوط جوية على أجنحة الحرب!
في الخامس من فبراير من عام 1919، شهد عالم النقل تحولا تاريخيا بافتتاح أول شركة طيران ركاب منتظمة في العالم على الأراضي الألمانية.
تأبين نهر ميت في أوروبا!
في ليلة 30 يناير عام 2000، شهدت بلدة بايا ماري الرومانية كارثة بيئية هائلة. أطلق مصنع حوالي مائة ألف متر مكعب من محاليل السيانيد السامة في رافد نهر سومش، يصب في نهر تيسا.
محتال أجرى 16 عملية جراحية ناجحة!
في عالم الاحتيال والخداع، تبرز أحيانا شخصيات تبلغ من الفرادة والغرابة حدا يدفع إلى التساؤل عن الحد الفاصل بين الواقع والخيال وبين البراعة والجنون.
(adsbygoogle = window.adsbygoogle || []).push({});
Source link