![]()
وقال عراقجي في كلمته، “أبدأ بحقيقة تعلمتها منطقتنا عبر عقود من التجربة المؤلمة، واليوم يعيد العالم إدراكها مرة أخرى بكلفة إنسانية كارثية: فلسطين ليست مجرد واحدة من قضايا عديدة.
فلسطين هي القضية المحورية للعدالة في غرب آسيا وما بعده. فلسطين هي البوصلة الاستراتيجية والأخلاقية لمنطقتنا. وهي اختبار لمعرفة ما إذا كان للقانون الدولي ما يزال معنى، وما إذا كانت حقوق الإنسان عالمية حقًا، وما إذا كانت المؤسسات الدولية قد أُنشئت لحماية الضعفاء أم لتبرير قوة الأقوياء.
لعقود طويلة، عرفت أزمة فلسطين أساسا بوصفها نتيجة احتلال غير قانوني وإنكار حق بديهي: حق تقرير المصير لشعب. لكن علينا اليوم أن نعترف بأن هذه الأزمة تجاوزت بكثير مفهوم الاحتلال. ما نشهده في غزة ليس مجرد حرب. ليس “نزاعا” بين طرفين متكافئين، ولا نتيجة غير مقصودة لتدابير أمنية. ما يجري هو تدمير متعمد وواسع لحياة المدنيين. إنه إبادة جماعية.
إن الكلفة الإنسانية لجرائم إسرائيل في غزة قد جرحت ضمير البشرية. هذه الفظائع مزّقت قلب العالم الإسلامي، وفي الوقت نفسه هزّت ملايين البشر الآخرين، من المسيحيين واليهود إلى أتباع جميع الديانات، أولئك الذين ما زالوا يؤمنون بأن حياة الطفل ليست أداة للمساومة، وأن التجويع ليس سلاحا، وأن المستشفيات ليست ساحات قتال، وأن قتل العائلات لا يعد دفاعا مشروعا.
اليوم، فلسطين ليست مجرد مأساة؛ بل هي مرآة في مواجهة العالم. مرآة تعكس ليس فقط معاناة الفلسطينيين، بل أيضا الفشل الأخلاقي لأولئك الذين كانت لديهم القدرة على وقف هذه الكارثة، لكنهم بدلا من ذلك برروها، أو أتاحوا وقوعها، أو عملوا على تطبيعها.
لكن فلسطين وغزة ليستا مجرد أزمة إنسانية. لقد تحول هذا الوضع إلى أرضية لمشروع أكبر وأكثر خطورة: مشروع توسعي يُنفَّذ تحت راية “الأمن”.
هذا المشروع له ثلاثة تداعيات، وجميعها عميقة ومقلقة:
التداعي الأول: عالمي.
إن سلوك النظام الإسرائيلي في فلسطين، والحصانة التي مُنحت له، قد أضعفا بشدة النظام القانوني الدولي. ويجب أن نقولها بصراحة: العالم يتجه نحو وضع لم يعد فيه القانون الدولي حاكمًا للعلاقات بين الدول.
والأخطر من ذلك هو السابقة التي يجري ترسيخها: أن أي دولة، إذا تمتعت بغطاء ودعم سياسي كافيين، يمكنها قصف المدنيين، ومحاصرة السكان، واستهداف البنى التحتية، واغتيال الأفراد خارج حدودها، ومع ذلك تدّعي الشرعية القانونية. هذه ليست قضية فلسطين وحدها؛ إنها أزمة عالمية. فنحن لا نشهد فقط مأساة فلسطين، بل نشهد تحوّل العالم إلى مكان يُستبدل فيه القانون بالقوة.
التداعي الثاني: إقليمي.
إن المشروع التوسّعي الإسرائيلي ترك أثرًا مباشرًا ومزعزعًا للاستقرار على أمن جميع دول المنطقة.
اليوم، ينتهك النظام الإسرائيلي الحدود علنًا، ويدوس على سيادة الدول، ويغتال مسؤولين رسميين، وينفذ عمليات إرهابية، ويوسّع نطاق نفوذه على جبهات متعددة، ويفعل كل ذلك ليس في الخفاء، بل بشعور من الحصانة والاستحقاق، لأنه تعلّم أن لا مساءلة دولية ستلاحقه.
يجب أن نقولها بلا مواربة: إذا جرى حل قضية غزة عبر التدمير والتهجير القسري، وإذا تحول ذلك إلى نموذج يحتذى، فإن الضفة الغربية ستكون الهدف التالي. وسيغدو ضم الأراضي سياسة رسمية. وهذا هو جوهر ما يشار إليه منذ سنوات بمشروع “إسرائيل الكبرى”.
وعليه، فالسؤال ليس ما إذا كانت أفعال إسرائيل تهدد الفلسطينيين وحدهم؛ بل ما إذا كانت المنطقة ستقبل مستقبلا تصبح فيه الحدود مؤقتة، والسيادة مشروطة، ويعرّف الأمن لا على أساس القانون والدبلوماسية، بل على أساس طموحات قوّة احتلال عسكرية.
التداعي الثالث: بنيوي، وربما هو الأخطر.
إن المشروع التوسّعي الإسرائيلي يتطلب إضعاف الدول المحيطة عسكريًا وتكنولوجيًا واقتصاديًا واجتماعيًا، كي يحافظ هذا النظام دائمًا على تفوّقه الاستراتيجي.
وفي إطار هذا المشروع، يُسمح لإسرائيل بتوسيع ترسانتها العسكرية دون أي قيود، بما في ذلك أسلحة الدمار الشامل التي تقع خارج أي نظام رقابة أو تفتيش”.
وأضاف عراقجي في كلمته: “في المقابل، يطلب من دول أخرى نزع سلاحها؛ ويتوقع من بعضها تقليص قدراتها الدفاعية؛ وتُعاقَب دول بسبب تقدمها العلمي؛ فيما تفرض العقوبات على دول أخرى بسبب تعزيز صمودها الوطني.
يجب ألا نقع في الوهم: هذا ليس ضبطا للتسلح، ولا عدم انتشار، ولا توفيرا للأمن.
إنه فرض لعدم مساواة دائمة: يجب أن تتمتع إسرائيل على الدوام بـ”تفوق عسكري واستخباراتي واستراتيجي”، بينما يفترض بالآخرين أن يبقوا عرضة للخطر. هذه هي عقيدة الهيمنة.
من هنا، فإن قضية فلسطين ليست مجرد قضية إنسانية؛ بل هي قضية استراتيجية، لا تتعلق بغزة والضفة الغربية فحسب، بل بمستقبل منطقتنا والقواعد الحاكمة للعالم.
فماذا ينبغي أن نفعل؟
إن التعبير عن القلق لا يكفي. إصدار البيانات لا يكفي. الحداد لا يكفي. نحن بحاجة إلى استراتيجية منسقة للعمل — استراتيجية قانونية ودبلوماسية واقتصادية وأمنية — تستند إلى مبادئ القانون الدولي والمسؤولية الجماعية.
أولا، يجب على المجتمع الدولي أن يدعم دون تردد الآليات القانونية. ثانيًا، يجب أن تُقابَل الانتهاكات بعواقب حقيقية.
نحن نطالب بفرض عقوبات شاملة وموجّهة على إسرائيل، بما في ذلك:
• الحظر الفوري على بيع الأسلحة
• تعليق التعاون العسكري والاستخباراتي
• فرض قيود على المسؤولين المعنيين
• حظر التبادلات التجارية
ثالثا، يجب رسم أفق سياسي ذي مصداقية قائم على القانون. وعلى المجتمع الدولي التأكيد على المبادئ التالية:
• إنهاء الاحتلال
• حق العودة والتعويض وفقًا للقانون الدولي
• إقامة دولة فلسطينية مستقلة وموحّدة، تكون القدس الشريف عاصمة لها
رابعا، يجب التعامل مع الأزمة الإنسانية باعتبارها مسؤولية دولية عاجلة. ولا يجوز بأي حال تطبيع العقاب الجماعي.
خامسا، على دول المنطقة أن تنسق جهودها لحماية سيادتها وتعزيز الردع في وجه العدوان. ويجب أن يكون المبدأ واضحا: لا يمكن بناء أمن طرف على انعدام أمن الآخرين.
وأخيرا، ينبغي على العالم الإسلامي والعالم العربي ودول الجنوب العالمي إنشاء جبهة دبلوماسية موحّدة.
وعلى منظمة التعاون الإسلامي، وجامعة الدول العربية، وسائر المؤسسات الإقليمية أن تتجاوز الرمزية وتتجه نحو عمل منسق: دعم قانوني، ومبادرات دبلوماسية، وإجراءات اقتصادية، ورسائل استراتيجية.
هذه الدعوة ليست نداء إلى المواجهة، بل محاولة لمنع إعادة تشكيل المنطقة بالقوة”.
وختم عراقجي كلمته بالتأكيد على أنه “لا ينبغي لأحد أن يقع في سوء تقدير: إن منطقة يسمح فيها لطرف واحد بالتصرف فوق القانون لن تنعم بالاستقرار أبدا. إن عقيدة الحصانة لا تجلب السلام، بل تولد صراعات أوسع.
طريق الاستقرار واضح: العدالة لفلسطين، والمساءلة عن الجرائم، وإنهاء الاحتلال ونظام الفصل العنصري، وإقامة نظام إقليمي قائم على السيادة والمساواة والتعاون.
إذا كان العالم يريد السلام، فعليه أن يتوقف عن مكافأة العدوان. وإذا كان يسعى إلى الاستقرار، فعليه أن ينهي دعم التوسّع. وإذا كان يؤمن بالقانون الدولي، فعليه أن يطبّقه على الجميع وبلا معايير مزدوجة.
وإذا كانت شعوب هذه المنطقة تطمح إلى مستقبل خالٍ من الحروب التي لا تنتهي، فعليها أن تعترف بهذه الحقيقة الأساسية: فلسطين ليست مجرد قضية للتضامن؛ بل هي حجر الزاوية الذي لا غنى عنه للأمن الإقليمي”.
المصدر: RT
إقرأ المزيد
(adsbygoogle = window.adsbygoogle || []).push({});
Source link