من هو المنتصر الحقيقي في الحرب التجارية الأمريكية؟

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.



ربما كانت الأسابيع القليلة الماضية مضطربة أو حتى وجودية بالنسبة للعديد من الشركات الأمريكية المتورطة في الحروب التجارية، لكنها كانت جيدة جداً بالنسبة لشركة Starlink، شركة الأقمار الصناعية المملوكة لإيلون ماسك.

بعد سنوات من التأخيرات التنظيمية، توصلت ستارلينك في مارس إلى اتفاقيات توزيع مع شركتين عملاقتين لخدمات الإنترنت في الهند، أكبر دولة في العالم من حيث عدد السكان، وحصلت على موافقة باكستان المجاورة أيضاً. كما تنازلت فيتنام، وهي شريك تجاري رئيسي آخر لأمريكا، عن قاعدة تُلزم ستارلينك بالشراكة مع شركة محلية، وأعلنت أنها ستطلق برنامجاً تجريبياً مدته 5 سنوات مع ستارلينك.

أعلنت بنغلاديش، ثاني أكبر مُصدّر للملابس إلى الولايات المتحدة، عن اتفاقيتها الخاصة مع ستارلينك بعد أشهر من المفاوضات المتعثرة. وفي ليسوتو، تجاهل المسؤولون الاعتراضات القديمة على الملكية الأجنبية لستارلينك، ومنحوا الشركة ترخيصاً.

لا أجد بيانات متاحة للعامة تمكّننا من مقارنة وتيرة إبرام صفقات ستارلينك في النصف الأول من هذا العام بالأعوام السابقة بشكل موثوق. لكن جميع هذه الدول تمثل شراكات طال انتظارها لماسك، وجميعها، باستثناء ليسوتو، ستُصنّف ضمن أهم أسواق ستارلينك من حيث عدد السكان.

وبالطبع، تأتي هذه الموجة من التوسع في وقت يعتبر فيه معظم العالم ماسك ثاني أقوى رجل في واشنطن العاصمة. لذا، فإنها تُثير بعض التساؤلات البديهية.

هل يسارع شركاء أمريكا التجاريون، في سعيهم الحثيث لتجنب تهديدات ترامب بفرض رسوم جمركية قاسية على معظم دول العالم، إلى منح ماسك حق الوصول إلى أسواقهم ظناً منهم أن ذلك يخدم مصالحهم السياسية؟ أم أن ماسك يضغط على هذه الدول لإزالة العقبات التي حالت دون وصول ستارلينك إلى أسواقها؟

لقد قضيت الشهر الماضي أحاول فك طلاسم قضية بنغلاديش المعقدة، لأنها تتصل مباشرة بدور ماسك غير المسبوق في إدارة ترامب، ومصالحه الشخصية، والسياسة التجارية الأمريكية. ففي بنغلاديش، الدولة التي تضم نصف سكان الولايات المتحدة في مساحة تقارب مساحة ولاية ألاباما تجد نفسها في وضع حساس للغاية؛ فمثلا أدت انتفاضة طلابية في العام الماضي إلى الإطاحة بالزعيمة الاستبدادية للبلاد، الشيخة حسينة، وتشكيل حكومة مؤقتة بقيادة محمد يونس، الحائز على جائزة نوبل. وقد استقطب يونس مثقفين ومعارضين سابقين إلى حكومته، في محاولته بناء أول ديمقراطية فاعلة في البلاد، في حين يواجه مقاومة شديدة من جارته الأكبر بكثير، الهند، التي لجأت إليها حسينة.

إنها الثورة الديمقراطية التي لطالما تبنتها أمريكا، لا سيما وأن يونس حائز سابق على وسام الحرية الرئاسي والميدالية الذهبية للكونغرس. إلا أن موقف إدارة ترامب تجاه بنغلاديش تراوح بين اللامبالاة والعداء. وقد رددت تولسي غابارد، مديرة الاستخبارات الوطنية في إدارة ترامب، مزاعم مشكوك فيها من الهند بأن الحكومة الجديدة تضطهد الهندوس وتؤوي إرهابيين إسلاميين.

ويشكّل هذا الأمر مصدر قلق كبير للبنغلاديشيين، الذين يعتمدون على تصدير القمصان وما شابهها إلى أمريكا. لذلك بعد تولي ترامب منصبه بفترة وجيزة، أرسل يونس في فبراير مبعوثاً خاصاً، خليل الرحمن، إلى واشنطن على أمل بناء جسور التواصل في قضايا التجارة والأمن.

ووفقاً لمصدر مطلع على الحكومة البنغلاديشية، تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته، زار خليل الرحمن مجمع البيت الأبيض في منتصف فبراير والتقى بمسؤول من مكتب الممثل التجاري، الذي ضغط عليه بشأن مسألة واردات القطن. وتحصل بنغلاديش، أكبر مستورد للقطن في العالم، على معظم إمداداتها من غرب إفريقيا والبرازيل، وكانت الولايات المتحدة تُصرّ على شراء المزيد من القطن الأمريكي إذا أرادت تجنّب الرسوم الجمركية.

وفقًا لرواية المصدر، وافق رحمن على هذا المطلب بسهولة إذا كان سيؤدي إلى اتفاقية تجارية جديدة، لكن زيارته لم تنته تماماً؛ حيث تم اقتياده إلى مكتب يوجد فيه أغنى رجل في العالم.

أراد ماسك مناقشة المفاوضات الجارية بين ستارلينك والجهات التنظيمية البنغلاديشية، التي كانت تتعرض لضغوط من شركات الاتصالات المحلية لمنع ستارلينك من دخول السوق. وعلمتُ أن رحمان اتصل بيونس من ذلك الاجتماع ونقل إليه مخاوف ماسك. وكان التلميح الظاهر، وإن لم يُصرّح به صراحة، هو أن إحدى أكبر شركات تصدير المنسوجات في العالم لن تتمكن من الحصول على شروط تجارية ملائمة من الولايات المتحدة إذا لم يُسمح لستارلينك بدخول السوق البنغلاديشية.

لا شك أن بنغلاديش أرادت إبرام صفقة مع ستارلينك. ولا يرغب المسؤولون هناك في الكشف عن أي شيء قد يُهدد بتعكير صفو العلاقات مع ماسك، لأن آخر ما يريدونه الآن هو استعداء إدارة ترامب. ومن الصعب لومهم على ذلك.

ونعرف أيضاً أنه عندما كان رحمان في واشنطن أفادت صحف بنغلاديش أن يونس ورحمان التقيا عبر الفيديو لمدة 90 دقيقة مع ماسك وريتشارد غريفيث، أحد مساعديه في ستارلينك، وأن يونس دعا ماسك لزيارة بنغلاديش ليشهد إطلاق نظام ستارلينك. ونشر يونس على موقع X، أنه عقد “اجتماعاً رائعاُ” مع ماسك، وأنه يتطلع إلى العمل معه.

أنا أدرك أن الخوض في قوانين الأخلاقيات في واشنطن هذه الأيام يبدو ساذجاً للغاية، ولكن إن كنتم تتساءلون: فالقانون الفيدرالي يُجرّم عموماً مشاركة مسؤول في السلطة التنفيذية “شخصياً وبصفة رسمية” في أي نقاش له مصلحة مالية شخصية فيه. وسيبدو عقد اجتماع بين ماسك وقادة أجانب حول ستارلينك من البيت الأبيض إشكالياً.

وحتى لو لم يُشر ماسك إلى وجود صلة بين موافقات ستارلينك وتأثيره على الرئيس، فقد ترسخت لدى المسؤولين القلقين في دول أخرى فكرة وجود صلة. فقد كانت قصة بنغلاديش تنتشر بين الأوساط السياسية والتجارية في جنوب أفريقيا التي تسعى إلى إبرام صفقة تجارية حاسمة مع إدارة ترامب.

وبالمناسبة رفض البيت الأبيض، الذي يجيب على أسئلة تتعلق بعمل ماسك في ما يسمى بإدارة كفاءة الحكومة، الإجابة على أسئلة حول دور ستارلينك في المفاوضات التجارية أو اجتماعات ماسك مع رحمن ومودي. وكان قد صرح سابقاً بأن ماسك يلتزم “بجميع القوانين الفيدرالية المعمول بها”. كما لم أتلقَّ أي رد على رسالة بريد إلكتروني أرسلتها إلى قسم الإعلام في ستارلينك.

وبالعودة إلى حالة بنغلاديش، فبعد حل مأزقها مع ماسك وتكثيف جهودها لاستيراد القطن الأمريكي، صُدِم المسؤولون البنغلاديشيون عندما شاهدوا بلادهم مدرجة على السبورة البيضاء العملاقة لترامب في أوائل أبريل، إلى جانب رسوم جمركية صارمة بلغت 37%. ولم تفلح جميع جهودهم لاسترضاء ماسك وترامب، قبل بضعة أسابيع فقط، في تحقيق أي مكاسب تذكر (مع أن ترامب أوقف منذ ذلك الحين تطبيق معظم الرسوم الجمركية).

إن هذا يُثبت عدم وجود أي صلة بين مفاوضات التجارة ومعاملات ماسك التجارية. لكن يبدو أن البنغلاديشيين كانوا على رأي مختلف. وبعد أن طرح ترامب تعريفاته الجمركية المقترحة، أرسل يونس رسالة إلى الرئيس، يروي فيها الطرق العديدة التي تعاونت بها بنغلاديش مع المطالب التجارية الأمريكية – مثل إنشاء “منشأة تخزين جمركي” لزيادة واردات القطن – ويتوسل إلى الرئيس تأجيل التعريفات الجمركية لمدة 3 أشهر. ومن بين التنازلات التي أشار إليها: موافقة البلاد المرتقبة على مشروع ستارلينك.

وأثناء حديثي عن هذا الأمر مع عشرات المطلعين في واشنطن وخارجها خلال الأشهر القليلة الماضية، كان أكثر ما أدهشني هو غياب الغضب الواضح. أعني، هذه مدينة وجدت نفسها، في عهد كلينتون، مشلولةً لأسابيع بسبب تضارب محتمل في المصالح في مكتب سفريات البيت الأبيض. لكن في الأشهر الثلاثة الأولى فقط منذ عودة ترامب إلى المدينة وتنصيبه ماسك رئيسًا للوزراء يُعنى بالكفاءة، يبدو أن الجميع قد استسلموا لنوع جديد من المعايير الأخلاقية.

إن الصراعات بين عمل ماسك الحكومي وأعماله الخاصة لا حصر لها، ويصعب حصرها. ولم تشق تراخيص ستارلينك طريقها إلى المفاوضات التجارية فحسب، بل تم الآن تركيب الخدمة في جميع أنحاء الحكومة الفيدرالية – بما في ذلك في مقر البيت الأبيض – وقد تُدرج قريباً في برنامج منح فيدرالية للمناطق ذات الدخل المنخفض.

وقد قاد جاريد إيزاكمان، مدير ناسا الجديد الذي عينه ترامب، وهو صديق ماسك، أول رحلة فضائية مدنية على الإطلاق لشركة سبيس إكس، شركة ماسك للصواريخ؛ وهو الآن مسؤول عن تصميم البعثات التي ستتقدم سبيس إكس بعروضها. وفي جلسة استماع لتثبيته، أكد إيزاكمان مراراً لأعضاء مجلس الشيوخ أنه لن يتأثر بعلاقته بماسك.

ذكرت صحيفة وول ستريت جورنال في فبراير أن محامياً في شركة إكس ضغط على شركة الإعلانات الكبيرة إنتربابليك لتوجيه المزيد من الإعلانات نحو منصة التواصل الاجتماعي – وهي خطوة فسرتها الشركة على أنها تحذير من أن اندماجها المقترح مع أومنيكوم قد يواجه تدقيقاً حكومياً إذا لم تفعل ذلك. ورفضت إكس التعليق آنذاك.

 إن الرأي الأكثر شيوعاً حول كل هذا هو أن ماسك لا يهتم إلا بإثراء نفسه، ولهذا السبب يتجاهل النزاعات الأخلاقية ويُخضع الحكومة لإرادته. لكن ثروة ماسك التي تزيد عن 300 مليار دولار؛ تجعل من السذاجة الاعتقاد بأنه نفذ خطة للسيطرة على واشنطن لمجرد الحصول على بضعة عقود إضافية. فهذا أشبه بالقول إن نابليون غزا إيطاليا لأنه أراد المزيد من النبيذ.

إنني أميل إلى الاعتقاد بأن ماسك لا يستوعب الصراعات هنا، لأنه يؤمن بأن أعماله قوى خير. وهذا هو الموضوع المحوري في مسيرته المهنية: أنه يُنقذ الكوكب بمفرده ويقود البشرية لاستعمار المريخ. أما الثراء الفاحش فهو ما يحدث عندما تكون صاحب رؤية. ونتيجة لذلك، يحتقر ماسك أي قاعدة أو لائحة من شأنها أن تعيقه عن إنقاذ البشرية، ولهذا السبب يكره الحكومة عموماً.

إن الضرر الناجم عن غطرسة ماسك لا يقتصر على نسجه شبكةً من الصراعات المعقدة، بل إنه يسعى، أكثر من أي شخص آخر – ربما باستثناء ترامب نفسه – إلى طمس مفهوم “الاستثنائية الأمريكية”، أي فكرة أن الولايات المتحدة تُسيّر نفسها وفقاً لمعايير مختلفة عن القوى العالمية الأخرى، ماضياً وحاضراً.

المصدر: واشنطن بوست

 

المقالة تعبر فقط عن رأي الصحيفة أو الكاتب

(adsbygoogle = window.adsbygoogle || []).push({});

Source link

اضف تعليق
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.