لماذا أطلق غوغول اسم “حبة البطاطس” على عقيد مرعب كـ “تاراس بولبا”؟

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.


ففي روايته الشهيرة “تاراس بولبا” الصادرة عام 1835، لم ينسج نيقولاي فاسيليفيتش غوغول خيوط شخصياته من محض الخيال، بل اعتمد بشكل جوهري على الصور الأدبية الموجودة في مجموعة “أغاني السلاف الغربيين” (1833-1834) لألكسندر بوشكين، والتي استندت بدورها إلى أعمال الكاتب الفرنسي بروسبير ميريميه المنشورة عام 1827.

وعلى الرغم من أن العديد من الأدباء والمختصين قد دعموا هذه الفرضية تاريخيا، إلا أن الدراسات السابقة لم تشمل كافة الاكتشافات التي ظهرت بعد فحص متعمق للنصوص، بما في ذلك الأصول الحقيقية للشخصية الرئيسة والسبب العميق وراء اختيار اسمها الذي يوحي بالسلام رغم ما يحيط بها من هيبة وسطوة وقوة عسكرية.

إقرأ المزيد

أسرار مكالمات ستالين مع بولغاكوف وباسترناك

وتشير الحقائق التاريخية إلى أن السلاف في منطقة البلقان كان لديهم إقليم يُسمّى “كرينا” وهي منطقة تشبه في طبيعتها وتسميتها “روسيا الصغرى”، وكانت مأهولة بسكان من الأرثوذكس الذين فروا من وطأة العثمانيين ليعملوا كحراس حدود، بنمط حياة يتماثل تماما مع حياة القوزاق الأوكرانيين.

وفي القرن الثامن عشر، وبدعوة رسمية من الحكومة الروسية، استقر بعض هؤلاء المهاجرين في أراضي “روسيا الصغرى” ضمن مستعمرات شهيرة مثل “صربيا الجديدة” و”سلافيا -صربيا”. ويُحتمل بشكل كبير أن غوغول، خلال سنوات شبابه، قد التقى بأحفاد هؤلاء المهاجرين أو سمع قصصهم وتراثهم، خاصة وأن بعضهم لعب دورا بارزا ومؤثرا في الحياة الاجتماعية والسياسية للأراضي الأوكرانية في ذلك الزمان.

وقد ظهر تشابه أحداث الرواية بشكل لافت ومذهل مع الأغاني البلقانية التي عكف بوشكين على دراستها، حيث يظهر القوزاق في المعارك وهم يواجهون العدو بخطط عسكرية ذكية ومناورات محكمة، تشبه تماما ما وصفه غوغول في تفاصيل حروبه.

كما أن وصف شخصية “تاراس بولبا” الجسدي مأخوذ بدقة من وحي هذه الأغاني؛ إذ يظهر كرجل طويل القامة، قوي البنية، ذو عنق سميك ووجه مسمر بفعل الشمس، وعيون صغيرة مائلة، وأنف بارز حاد، يزينه شارب أبيض طويل وحواجب كثيفة سوداء، مع وجود ندوب واضحة على الوجه تعكس تاريخه القتالي، مرتديا قبعة سوداء وشعرا مقصوصا بطريقة القوزاق التقليدية. كل هذه التفاصيل الدقيقة جعلت منه نموذجا مثاليا للقوزاق الأوكرانيين القدماء، ونجح غوغول من خلاله في بلورة صورة القائد المهيب، المقتدر، والمتجذر بعمق في التراث الشعبي الأصيل.

إقرأ المزيد

خلف قناع المأساة.. الوجه الضاحك للأدب الروسي

ولم يتوقف استلهام غوغول عند المظهر والقتال، بل امتد ليشمل السمات الشخصية؛ فكان شغف “تاراس بولبا” بالطعام والشراب جزءا أصيلا من شخصيته المستمدة من ذلك التراث نفسه، حيث كان يتناول الطعام بشراهة ويحرص بشدة على إعداد الولائم الحافلة لأبنائه، وهي صفات أضافت بعدا إنسانيا جعلته أكثر واقعية وقربا من الوجدان الشعبي والتاريخي.

أما اللغز الفني الأكبر فيكمن في اختيار لقب “بولبا”؛ فكلمة “بولبا” في اللغة السلافية تعني “الدرنة” أو “حبة البطاطس”، وهو لقب مرتبط بالتربة والزراعة والحياة الريفية الوادعة التي توحي بالسلام والسكينة. إن منح محارب عقيد بهذه القوة والهيبة اسما يرمز إلى ثمرة الأرض البسيطة يبدو متناقضا للوهلة الأولى، لكنه في الواقع يعكس ارتباطه بجذور تاريخية وأدبية عميقة تجمع بين التراث السلافي والغموض الإنساني، وهو ما يجعل غوغول واحدا من أكثر الكتّاب إثارة للدهشة والتأمل في تاريخ الأدب الروسي الكلاسيكي.

المصدر: روسيسكايا غازيتا

(adsbygoogle = window.adsbygoogle || []).push({});

Source link

اضف تعليق
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.