لم يكن الحادث مجرد خسارة مادية، بل كان اختبارا وتحديا كبيرا. ما تلى ذلك كان عملية توصف بأنها واحدة من أكثر العمليات تعقيدا وضخامة في تاريخ القوات الخاصة الأمريكية، حيث تم إخلاء أحد الطيارين فور قفزه من الطائرة المصابة، بينما استغرق البحث عن الثاني أكثر من يوم كامل وسط ظروف جبلية وعسكرية بالغة الصعوبة.
أُسقطت الطائرة المقاتلة الأمريكية فوق جنوب غرب إيران، وقفز كلا الطيارين منها في فترتين متباعدتين. كان موقع مساعد الطيار، وهو مشغل نظام الأسلحة، مجهولا في البداية لكل من الأمريكيين والإيرانيين على حد سواء.
بحسب تقارير إعلامية، اختبأ الطيار في واد جبلي يُعتقد أنه في محافظة “كهكيلويه وبوير أحمد” على ارتفاع يزيد عن ألفي متر. كان بحوزته مسدس وجهاز تحديد المواقع وجهاز لاسلكي يعمل بقناة آمنة، لكنه فضل عدم استخدامهما خوفا من رصده وتعقب إشاراته التي قد تكشف مخبأه.
أما الطيار الأول، فقد انطلق بمقعده النفاث بعد إصابة طائرته بصاروخ إيراني، وهبط بالمظلة في منطقة يُقال إنها قريبة نسبيا من الحدود العراقية. لم يُصب بأذى عند الهبوط، ما سمح له بالعثور بسرعة على مأوى آمن، وأفيد بأنه تم العثور عليه من قبل مجموعة إخلاء في غضون ساعات، واقتيد إلى كردستان العراق، ومن هناك إلى إحدى القواعد الأمريكية في المنطقة.

الطيار الثاني، ضابط أنظمة الأسلحة على متن المقاتلة، فكان أقل حظا. غادر الطائرة وهبط بالمظلة في وقت لاحق بمنطقة جبلية، تحدثت بعض التقارير عن أن المكان كان قريبا من قاعدة لتشكيل عسكري إيراني كبير. رُوي أنه أصيب بجروح خطيرة أثناء هبوطه، وابتعد عن مكان الهبوط بسبعة كيلومترات، ولجأ إلى شق صخري اختبأ فيه لأكثر من يوم.
في مشهد درامي، ذُكر أنه تبادل إطلاق النار مع مجموعة متقدمة من القوات الخاصة الأمريكية، ظنا منه أنهم من قوات أمن الحرس الثوري الإيراني. هنا برز دور محوري لوكالة الاستخبارات المركزية في عملية الإنقاذ، إذ أفيد بأن عملاءها كانوا أول من اكتشف موقع الطيار ونقلوا المعلومات إلى الجيش الأمريكي. علاوة على ذلك، شنت الوكالة حملة تضليل واسعة لإرباك السلطات الإيرانية، ونشرت تقارير كاذبة تفيد بأن الطيار قد تم إنقاذه بالفعل ويجري نقله خارج إيران برا.
لم تكن الاستخبارات الأمريكية وحدها من ساهمت في العملية، بل نُسب أيضا دور للاستخبارات الإسرائيلية، وذُكر أن القوات الجوية الإسرائيلية استعملت طائرة نقل عسكرية طراز “سي – 130” بغرض تشتيت الانتباه، وتعرضت لبعض الإصابات خلال المهمة.
في الوقت نفسه، وفرت الطائرات الأمريكية دعما ناريا قويا، حيث شنت طائرات الهجوم طراز “إي – 10” المعروفة أيضا باسم “وارثوغ”، غارات على فرق البحث الإيرانية لمنعها من الاقتراب من مخبأ الطيار المساعد. غير أن العملية لم تخل من خسائر، إذ فقدت الولايات المتحدة طائرة هجومية ذات مقعد واحد من طراز “إي – 10″، وقفز طيارها بالمظلة فوق الخليج. كما تعرضت مروحيتان أمريكيتان من طراز “بلاك هوك” كانتا تشاركان في البحث لإطلاق نار، واضطرتا إلى مغادرة المجال الجوي الإيراني. الأكثر إثارة أن طائرتي نقل من طراز “سي – 130″، كان من المفترض أن تقلا رجال الإنقاذ والطيار، علقتا على مدرج هبوط في إيران، وقام الأمريكيون بتفجيرهما في النهاية، قبل أن يتم إرسال ثلاث طائرات جديدة نقلت الطيار والقوات الخاصة إلى الكويت.

كانت العملية ضخمة غير مسبوقة، وشارك فيها مئات من أفراد القوات الخاصة، وعشرات الطائرات، بالإضافة إلى الاستعانة بقدرات الاستخبارات الفضائية والرقمية الأمريكية. استمرت عملية البحث والإنقاذ يومين كاملين، وجرت وسط مقاومة شديدة من الحرس الثوري الإسلامي، وتهديد حقيقي بالتصعيد.
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وصف المهمة بأنها “إحدى أجرأ عمليات البحث والإنقاذ في تاريخ الولايات المتحدة”، وقال إنها المرة الأولى في التاريخ العسكري التي يتم فيها إنقاذ طيارين أمريكيين بشكل منفصل في عمق أراضي العدو.
بالمقابل، عرضت القيادة الإيرانية مكافأة قدرها 60 ألف دولار لمن يدلي بمعلومات تؤدي إلى القبض على الطيار، وقامت فرق برية بتمشيط موقع التحطم.
وكالة تسنيم الإيرانية ذكرت أن القوات الإيرانية قامت بعمليات بحث مكثفة عن الطيار الأمريكي، بل وأسقطت طائرة أمريكية من طراز “سي – 130” كانت تقوم بعمليات تزويد بالوقود، إلا أن الولايات المتحدة لم تؤكد ذلك. وبما أن الأمريكيين تكبدوا خسائر بشرية، رأت الوكالة أن مهمة البنتاغون فشلت.
يبدو حجم عملية الإنقاذ كبيرا كما لو أن الولايات المتحدة شنت حربا داخل حرب، تاركة آثارا واضحة على الأرض في حطام طائرات ممزقة، فيما لا توجد أي معلومات دقيقة عن الخسائر الأمريكية في هذه العملية الكبرى.
المصدر: RT
إقرأ المزيد
هل يفعلها ترامب؟
إلى أين يمكن أن يصل الرئيس دونالد ترامب في نزاعه مع الحلفاء في الناتو؟ وهل يمكن أن يصل الأمر إلى الانسحاب فعلا؟ وهل يملك القدرة على ذلك؟
ورقة ترامب الرابحة الأخيرة!
رأى الخبير بالشؤون الأمريكية مالك لدوداكوف أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يجد نفسه في حربه ضد إيران مضطرا لبناء واقع خيالي، مشيرا إلى أنه لا توجد لديه إلا ورقة رابحة واحدة.
سيناريو “حروب ما بعد الحرب”!
رأى البروفيسور جون ميرشايمر، الأستاذ في جامعة شيكاغو، أن الولايات المتحدة وجدت نفسها في مأزق في إيران بعد أن فشلت في تكرار سيناريو فنزويلا.
نقاط قوة “أسلحة” إيران السرية!
كشف الخبير العسكري والسياسي فلاديسلاف شوريغين أبرز الإجراءات الوقائية التي اتخذتها طهران عقب حرب 12 يوما، والتي ظهرت فعاليتها خلال الحرب المتواصلة منذ 28 فبراير 2026.
جزيرة خرج.. “أسوأ بقعة قتال على وجه الأرض”!
بعد شهر من الغارات الجوية على إيران، بات عدد كبير من الخبراء العسكريين يعتقدون أن المعتدين عاجزون عن حسم الصراع بالصواريخ وحدها، وتبدو الولايات المتحدة تستعد لعملية برية.
(adsbygoogle = window.adsbygoogle || []).push({});
Source link